الاستقرار هو الثبات والدوام والسكون. وفيه معنى المصير والمرجع النهائي. 

والاستقرار من رؤية كلية استقراران؛ مؤقت متغير، ودائم ثابت، الثاني ينظم الوجود كله ويسمْ هيئة الموجودات، مثله مثل استقرار الجبل الثابت في مكانه، هذا الاستقرار يتحول إلى مؤقت متغير ما إن يعتريه عارضٌ ما.

والاستقرار في دلالته المجردة التمكن؛ التمكن من تلبية حاجات الإنسان الروحية والعقلية والمادية. فالاستقرار تناغمٌ بين ثلاثية الروح والعقل والجسد، لا يتحقق إلا بتوازن نسب مقبولة منها. النفسي في ثبات كرامة الإنسان في المجتمع، أي مجتمع وجماعة يحيا معها، وتحقق العدل والمساواة مع أقرانه، والفكرية في كفالة ممارسة حقه في التأمل والتفكر والاجتهاد في النظر والنقد والتقويم واستعمال ملكات العقل كلها. أما المادية فتشمل بدءاً من سدّ حاجاته إلى الشراب والطعام إلى الستر مظهراً وباطناً والإيواء مقاماً وسَكَنَاً. 

واستقرّ في معجم اللغة بدلالته الحسية تأتي بمعنى البرد، والإنسان من النوْس أي التحرك، يتحرك في الأمور العظام والمصالح الخيرة كالخلافة وغيرها، ويكأن استَقَر في دلالته الحسية تجافي الإنسان، فكيف يجتمع البارد البليد الثابت الساكن الصامت مع جوهر  ما هو نشط متحرك متغير ومتكلم؟ 

ولما كان استقرار الإنسان يقتضي أن يحقق الخلافة في الأرض، أي أرض وأي بقعة، وأن يكون سيداً على الموجودات المسخرة له، وأن يستعمل حواسه كلها أدوات الترقي المعرفي عنده حتى يعمر النفس والحجر، وأن يزكي نفسه بدوام تجلية مرائي الضمائر بمعالي الأخلاق. فما إن حُرم من الأهلية الاستخلافية حتى فقد سيادته وتفرده ككائن حركي غير ثابت مكرم من رب العباد. فقدان الأهلية الاستخلافية تحول واستقراره.

هذه الخاطرة داهمتني ذات صباح لما وجدتُ نفسي في دمشق، بعد غياب ١٢ سنة غياباً قسرياً ظالماً،لما غابت عن مستقري معاني الاستقرار المحققة للتمكين مع اندلاع الثورة السورية المباركة. 

واكتشفتُ أنني -وربما غيري من بني آدم وحواء- ما خَبِرتُ مستقراً ولا قررت أرضاً، تقلبتُ على صفحات الأرض وصحبتُ رحالة وصفوا وأوصوا في قراطيسهم ببعض المواطن الأقرب إلى القلب من مواطن أُخَر، وكنتُ في حِلٍّ و تَرحال مع توصياتهم، اختبر أحوال التمكين القار، أين الثابت وموقع المتغير منه، متى يكون قرار العقل محققاً، أفي نفس كريمة راضية أم في جسد هانئ بكفاف يومٍ عصيّ في كَبَدْ؟

في حِلّي وترحالي سَكَنَ في وجداني تكليف الاستخلاف، تخلله -بين حين وآخر- فتنة السكون إلى مستقر ومقام طيب، اتخذتُ الكتاب بقوة حتى أبلغ -ظناً- خير الأراضي مقيلاً.

وأصبح حالي كحال الشاعر في وصف تجربته الوجودية:

حَتّى مَتى أَنا في حِلٍّ وَتَرحالِ

وَطولِ سَعيٍ بِإِدبارٍ وَإِقبالِ

أُنازِعُ الدَهرَ ما أَنفُكَ مُغتَرِباً

عَنِ الأَحِبَّةِ لا يَدرونَ ما حالي

أول ما تقر بنا، العيون، فهي نافذة القلوب، تقر العين مفتاح القلب في مشهد طبيعي حسي جميل أو في سعي روحي خيّر أو في موطن نفسي مُطَمئِن مع صحبة وصاحب، هذا هو المقام الحسن والاستقرار الطيب. 

لعل الله سبحانه وتعالى يكتب على بعض النفوس حِلاً وترحالاً ثابتاً ما دامت النفوس في الآفاق راحلة مع أنفاس الرحمن. ولعل نفسي من بين هذه النفوس، راضية مطمئنة بترحالها ومقامها.

ثم البلد الطيّب يَخرج نباته بإذن ربه، والخبيث حيث يخرج نباته نَكِداً. 

(دمشق الشام ٢٣ شباط- ٧ آذار ٢٠٢٥ / ٧ رمضان ١٤٤٦)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *