عُرف أن بداية طريق التصوف إيمان وتربية وتخلق بمكارم الأخلاق، وآخره تمكين وتحقيق بعلوم كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ذلك أن منهج التصوف منهج اجتهادي في طاعة الله، يُزكي النفوس ويرتقي بالسلوك الإنساني إلى مراتب سامية تُعنى بالفعل الديني مضموناً وشكلاً.

ولأن أسهمت الآلة الإعلامية الغربية الضخمة -وتبعتها بعض الجهات في عالمنا العربي- في تشويه الإسلام وَوسم كل إسلام ملتزم على نهج السلف بالإرهاب والتطرف، فإن أغلب المستشرقين والعلمانيين المتطرفين، ومن تبعهم من الباحثين المسلمين لم يتوانوا لحظة عن تشويه صورة التصوف الإسلامي النقي في إدعائهم بكونيته وبوحدة مصدره وبربطه بالتصوف البوذي تارة، والنصراني تارة أخرى، بل وبالكابالا اليهودية.

لا يخفَ على مطلع عاقل على تاريخ الفكر الإسلامي أهمية السلوك الصوفي ومكانته بين كبار علماء السنة وفقائهم. من أمثال المحاسبي البصري (170 – 243 هـ) وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450 – 505 هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية (661 – 728 هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية ( 691 – 751 هـ) وغيرهم كثير.

فها هو ابن القيم يقول عن التصوف بأنه: “زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها، لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه، فإن المرء مع من أحب”. (مدارج السالكين).

وحالنا اليوم من حيث الانقسام بين الإفراط والتفريط شبيه بما قاله ابن الجوزي (510 – 597 هـ) منذ قرون: “ولما كانت الفلاسفة قريبة من زمان شريعتنا والرهبنة كذلك، مدّ بعض أصل ملتنا يده إلى التمسك بهذه ،بعضهم مدّ يده إلى التمسك بهذه، فترى كثيراً من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في بابا التزهد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتاً على ملتنا وسلامة من عدونا إنه وليّ الإجابة”. (تلبيس إبليس).

وشيخ الإسلام ابن تيمية المعروف بموقفه الصلب الجاد في وجه كل بدعة وتفنيده لآراء الطوائف والملل الضالة نجده يشهد للصوفية في قوله: “فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء برآء من بدع أهل الكلام فضلاً عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم. فكذلك المشايخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلاً عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم، فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته”. (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية).

ومن بين الحلول لخروج الأمة الإسلامية من أزمتها الفكرية الحالية هو شق طريق يزاوج فيه الشرع ومقاصده مع التصوف وأخلاقياته، وعندها ستتمكن من النهوض أخلاقياً وتربوياً وسياسياً.. ليشمل الجوانب الحياتية كافة، بعد عقود من السبات الفكري، والاستخذاء السلوكي، والانهزام النفسي، والتفلت الأخلاقي، والتمييع الديني من طرف أو التزمت من طرف آخر، لتواجه تحديات الخارج من حروب شعواء على الإسلام والمسلمين وتشويه صورتهم وتخرج معافاة القلب صحيحة الجوارح خاصة بعدما عانته وشهدته بلاد الربيع العربي لعقود مضت من ممارسات أنظمتها المستبدة وتواطئ العالم والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي أجمع ضد الشعوب الثائرة.

التصوف، وبغض النظر عن جذر الكلمة، الذي يُعرف بفقه القلوب وبتحقيق الركن الثالث من أركان الدين: الإحسان وذلك عن طريق منهج دقيق رسمه الله تعالى لنا: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” هو ما نحتاجه في زمن الثورات المباركة -وما بعدها- الزاهدة في متاع الحياة الدنيا وفي النفوس في سبيل تحقيق الكرامة والحرية التي خُلقنا عليها. هو منهج يربي الأرواح ويزكي النفوس ليصل المرء إلى معرفة الله تعالى. فترتقي بالسلوك الإنساني من مجرد الاكتفاء بالأفعال الظاهرة الشكلية إلى القلوب والنفوس والأرواح.

بات من الضرورة بمكان تكثيف الأبحاث العلمية الدقيقة والمعمقة لإحياء التصوف الإسلامي ومنهجه من أمهات كتب علماء السنة وإدراجها بمناهج تربوية دينية وتعليمية وتدريسها وفق مسلمة الأخلاق الإنسانية العالمية المتوافقة مع الفطرة السليمة وتخليص الأخلاق الصوفية من الممارسات الشاذة المتبعة مما يُعرف بالصوفية الطرقية أو الشعبية سعياً لإعادة تفعيل أدوار شبابنا وفتياتنا في الإسهام في نهضة الأمة الإسلامية ورفعتها ما استطعنا إليه سبيلا.

(افتتاحية مجلة بصيرة، العدد 11, 25- 11- 2013).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *