تعلمتُ من أبي رحمه الله الكثير الكثير من القيم والمواقف الحازمة والثبات والإتقان في العمل، رباني على حرية الإرادة واستقلالية الفكر شرطا كل إنسان حرّ، وكان لكل ما تعلمته منه وقفات مع نفسي في كل مرحلة عمرية أمرُّ بها.

لما كان عمري ١٥ سنة جئته أخبره بقراري لارتداء الخمار.. فقال لي: “إن ارتديتي الحجاب لا تعودي عن قرارك، فأنتِ تكونين بذلك قد عاهدت الله، ولا يصح أن تتخذي الأمر هَزْلاً”. ووافقت. ومنذئذ تعلمتُ الوفاء بالعهود والالتزام. وتعلمتُ أغلى وأصعب درس، أن لا أغير مبدأً مهما ضاقت بي الظروف ولا أتلون ولا أداهن في هويتي وديني.

في رمضان ونحن صغار، بعد الإفطار نجلس مع قهوتنا لحضور درس الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، كان دوماً ما يحدثنا عن ظلم النظام الأسدي واستبداده، عن إجرامه في حق شعبه وإفساده في الأرض وعن دناءة نفوس كل من يحيط ويحوم حول هذا النظام. عن شعارات الحزب الاشتراكي الزائفة فلا هي عربية ولا حرية ولا هي وحدة ولا رسالتها خالدة. وفي كل زيارة إلى الشام كانت لنا جلسة تنبيهات، يتلو علينا قائمة المحظورات، أول وأهم ما حُفر في ذاكرتي، عدم التحدث مع أي كائن عن النظام الحاكم أو عن السلطة أو حزبالة أو عن تعاليم الإسلام أو الدعوة إليها وإظهار التدين!

كان يروي لنا تاريخ بلاد الشام العظيم وتكاليف تضحيات شعوبها الأبية، عن أبطالها المجاهدين الذين خرجوا منها إلى بقاع المسلمين كي يحرروها من الاحتلالات، وأهمها فلسطين.

مذ وعيتُ وجودي غرس فيّ حبّ العلم والتعلم وشغف القراءة، مقتنعاً أنها وحدها تصنع الوعي وتبني الإنسان، ولم يبخل يوماً في دفعي لاقتناء مختلف الكتب وبلوغ معالي العلوم. حتى أنه صنع ليّ مكتبة من خشب الزان بيديه الحنونين. فلا أجدني اليوم وبالأمس إلا مع كتاب وفي مكتبة وبصحبة كُتّاب.. ولا أظنني أحيدُ عن غرسه الذي أثمر جذراً عميقاً في نفسي. كنا كلما نزلنا إلى سوريا لقضاء إجازة الصيف، يأخذني إلى مكتبة النوري الشهيرة ويقول لي اختاري ما شئت، وكم أحببتُ جولاتي في المكتبة تلك، بينما أتنقل من رف إلى آخر مشغولة الذهن أطالع الكتب وأختار من الأدب والمعاجم والقصص والعلوم بحرية، كانت عيناي ثابتة عليه وهو ينتظرني على كرسي الخيزران الشامي الشهير على جانب باب المكتبة من الداخل. كان شعوراً لا يُوصف، أفتقده بحرقة اليوم، بين أعز موجودات الأرض والإنس – الكتب، وأغلى قلب على قلبي.

لم يستطع العيش في ظل حكومة لا تعمل مؤسساتها إلا بعلاقات وواسطات وزبائنية مقيتة، ما كانت مؤسسات دولة الإجرام تعمل إلا بالرشاوى والمحسوبيات. لم تتقبل مروءته أن يتطاول عليه عسكري أصغر منه عمراً ومكانة لمجرد أنه أنكر عليه تدافعه واغتصاب دوره في الطابور!

كلما كنتُ أرتقي في سلم العلم كان يقول لي: إياكِ بعد كل هذا التعب والجهد والترقي، إياكِ أن تفكري في العمل في أية دائرة حكومية أو مؤسسات دولة النظام الطائفي، فإنك لا محالة سرعان ما ستُعجنين بثقافة الفساد والإفساد فيها، وستُسهمين بشكل أو بآخر في ترسيخ قيمة سلبية بمجرد وجودك في تلك المؤسسة، وستُجبرين على تمجيد القائد البائد ومن بعده ابنه المخلوع أو ستتنازلين عن مبدأ وخُلق إلى تتخلل عقيدتك الكثير من التشوهات ويَضعُف إيمانك وينحرف.

في الثمانينات كان قراره بالخروج من البلد، وهو الذي تعلق بوطنه وحارته ولم تطيب نفسه إلا تحت سماء بلده، ومع كثرة جولاته إلى أغلب دول العالم من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، إلا أنه لم تطب له إجازة صيفية إلا في مصايف بلاده المسلوبة من العصابة الأسدية.

خرج لما تمت دعوة تجار دمشق من قبل أهالي حماة أن يعلنوا الإضراب ويغلقوا المحلات، فامتثل والدي رحمه الله وعزم على الإضراب، إلا أن شبيحة المخابرات كانت لهم بالمرصاد. أرسل رئيس غرفة تجارة دمشق آنذاك لكل محل تجاري عنصر وقف على بابه، فمن لم يفتح المحل سيُحرق دكانه ويُعتقل صاحبه ويُعذب ويذهب في عداد المفقودين.

خرج وخرجت معه كل ذكرياته وتاريخ سوريا المتقلب على صفيح من النار والحديد والمؤمرات والأطماع.. فهو الذي وُلد بعد ستة أعوام من تحرر سوريا من الاحتلال الفرنسي، وخبر كل الانقلابات العسكرية من سنة ١٩٤٦ حتى انقلاب البعث الاشتراكي ١٩٦٣ مروراً بالوحدة مع نظام عبد الناصر، ثم الاستيلاء على الحكم من قبل المجرم البائد حافظ الوحش ثم توريثه إلى ابنه المخلوع الفارّ بشار.

عُرض عليه جنسية دولة خليجية من أميرها، وأبى! قال: أنا هنا سعياً على رزق أولادي، ولن أشغل هدفي بأمور دنيوية أخرى، سأعود إلى بلدي وأسهم في عمارته، فلا بديل عن هويتي الشامية.

منذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في البلاد العربية ثم في سوريا ٢٠١١، كنا نتابع هو وأنا الأخبار لحظة بلحظة، كان يحلل ويبدي رأيه في كل شيء ويسألني عن أشياء ونتبادل الآراء والمعلومات والأخبار. كنتُ أشعر به أنه يعلم بمشاركتي بالمظاهرات وبالثورة -رغم إخفاء ذلك عنه في البداية- لكنه لم يسألني قط، هكذا تعودت منه طوال حياتي، ينتظر مني المصارحة فقد رباني على الصدق والوضوح.

كان يقول لي كلما جاء إلى مسامعه الكذبة السياسية المفضوحة -ممانعة النظام السوري وتوابعه من الميلشيات الإجرامية في المنطقة وأمهم إيران: “لا تصدقي يا ابنتي أنهم محاربون لإسرائيل، فقضية فلسطين وتحريرها أشرف من أن تلتصق بحثالة الأرض هؤلاء. لن يحرر قدسنا إلا مسلم صَفَت عقيدته وخَلُصت نيته كجدنا الفارس صلاح الدين الأيوبي”.

وشاء الله أن نتبادل قيادة الخروج من الشام هذه المرة، فخرج معنا عام ٢٠١٣، وعشنا سوية ثانية التقلب في بلاد الغربة والخوف من المجهول والقلق على من سيموت وحيداً.

وحط ترحاله في مدينته دمشق عام ٢٠٢١ التي أحب، في عودة أرادها سريعة وأرادها الله تعالى الأخيرة، واستجاب له العليّ القدير أن تكون آخر أيامه في حبيبته دمشق الشام، وأن يُدفن على سفح قاسيون، في مقبرة الشيخ خالد النقشبندي.

كم تمنينا لحظة التحرير،
كم حلمنا أن ندوس هو وأنا على صور الطاغية وأبيه.. أن نمشي في شوارع دمشق شارعاً شارعاً، وأن نكحل عينانا بها دون قبح طلعتهما، لا صور الزائل إلى الأبد ولا أصنامه ولا علم البعث الذي لطالما كرهت، ولا شعار وحدة حرية اشتراكية الزائف يخزق العينين، ولا وجوه غريبة تستعلي بنظراتها وصوتها على المستضعفين.. ولا قبح الأفرع الأمنية والمخابرات التي غطت دمشق بظلال الظلام والظلمة.

شبيهة أبوكي” أو “بنت أبوكي” هكذا كانت والدتي رحمها الله تنعتني كلما تجادلنا في مسألة أو أبديتُ رأياً أو اتخذتُ موقفاً ما.. عنيدةٌ، حدّة، عصبية ومتعصبة، جوابك حاضر، واثقة من نفسك، مستقلة جداً، قاموس ألوانك إما أبيض أو أسود لا رمادي ولا بيج فيه.. افتخر واعترف أني بنت أبي ذلك الرجل المنتمي لقافلة رجال قال فيهم أحدهم: “ذهب الرجال المقتدى بفعالهم…”.

فقدتك يا حبيبي وحين يَفْقد حيّاً غاليًا ملأ حياته حضورًا ومشاركة ووجدانًا يفقد معه بعضًا من أبعاضه، ولا تعود إليه أبداً، وكلما دارت الأيام دورة كبر هذا الفقد ويبدأ بأكل بعض الأبعاض المتبقية، وكأننا نشارك الميت غيابه عن الأرض!

ومع كل نيسان يأتي يهلّ الربيع ونسماته إلى الأرض وأهلها، ونيساني يأتي بطيفه، الوردُ فيه أطرق يبكي عهد نيسان… وها هي يا فقيدي يا حبيبي، تحررت سوريا من حكم الأسدين الطاغيتين، ٨- ١٢- ٢٠٢٤، وعادت دمشق لأبنائها وبناتها، وكنتُ لكَ مخلصةً أمشي على دربك في قول الحق ولو على رقبتي، ثابتة على القيم والمبادئ التي أشربتني إياها، لا أحيد عن استقلالية فكري ووجداني بإذن الله إلى أن ألقى وجه ربي الكريم. والملتقى الجنة بإذن الله وبمعية لطفه ورحمته.

لا توجد أراء حول “حكاية رجل حرّ، عنوانها أبي”

اترك رداً على Elham إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *