يُعد من أسباب تأخرنا في الإسهام في إنتاج المعرفة على صعيد العلوم الإنسانية كعلوم الاجتماع والنفس ومباحث الفلسفة والسياسة أننا مازلنا نجتر مسائل وقضايا نعيد إثارتها دون امتلاك أدوات نقدية وبحثية دقيقة، في جوهرها مستعارة من ثقافات أُخَر، تجاوزتها هي في قلب ثقافتها ما بعد الحداثية.
يثير الآخرون مشكلة مستقاة عن حاجة اجتماعية مستجدة فيبحثون ويحاولون الإجابة عن إشكال ما تعترض فهمهم للواقع وللذات وللعلاقة مع الآخر، وبعد الإشباع بالبحث والدراسة ومحاولات التنظير والتدقيق في آليات التطبيق تتبدى إشكالات ثانية ناتجة عن تلك النظريات والفرضيات، فيُعاد النظر من جديد لإيجاد الحلول والنظريات. وهكذا في كل علاقة حيوية بين الفكر والواقع، بين ما يستجد من ظواهر اجتماعية وبين استجابة العقل لمعطياتها وأسئلتها وإشكالاتها، يتطور الواقع والعقل معاً في علاقة جدلية عميقة.
في المقابل، ولأننا نحيا على ما يقدمه الآخر، كالطفيليات على أجساد الكائنات، ننتظر أن تصلنا بعض الإمدادات من النظريات والفرضيات والحلول، وحتى الإشكالات، ذلك أن العامل المؤثر في استجابتنا لمشكلات الواقع وتحفيز العقول يعود في ما تنتقيه دور النشر وتترجمه وتنقله إلى القارئ العربي، أو في ما يستهوي باحث عالم بلغات أخرى يترجم نصوصاً وفق اهتماماته، ونجدنا نلتقط هذه النصوص مهللين فرحين باكتشافات محاولين إسقاطها على واقعنا وفكرنا العربي الإسلامي، فتخرج لنا نصوصاً سطحيّة هزيلةً لا العقل يقبلها ولا في واقعنا وثقافتنا ما يناسبها. ذلك أن المفكر أو القارئ العربي يجد نفسه حائرة فأي المواقف يتخذ؟ المتبني والمقلد لها أم الناقد الباحث الحذق؟ وما هو معلوم فإن الموقف الأول أكثر حظاً في تلك النفوس الحائرة. مثالنا ما يُتداول اليوم على صفحات ومنصات ما يُعرف بعلوم الاجتماع والفلسفة التي غزت الإنترنت فجأة، تلك العلوم التي لم تفارق الأروقة الأكاديمية والبرجوازية والجامعات المتخصصة ومراكز الاستشراق، أصبحت في متناول القارئ العادي المرتاح على أريكته في منزله، إن ملّ التنقل بين الصفحات الترفيهية والأخبار السياسية البهلوانية، فتح مقالاً عن الخطاب الذكوري وعنصريته تجاه المرأة وفحولة اللغة في مقابل أنوثتها.. فيُعجب به وينشره على صفحته!
إن علوم الاجتماع والنفس وغيرها من العلوم الإنسانية كالعلوم الشرعية تضرها العولمة وثقافة الاستهلاك التي تتسابق لبلوغ معدلات النشر الكمي لا النوعي في زمن التوحش التكنولوجي الذي غدا ميتافيزيقا الشعوب، فرُسمت حول المعلومات هالة قدسية وجُعلت في متناول كل من يشتهي بلوغ مكانة شخصية أو اشتهاراً ترفياً في الفضاءات الزرقاء والصفراء!
ليس معنى ذلك أني أدعو إلى القطيعة الإبستمولوجية أو أنفي استدماج العلوم والمناهج الوافدة على العالم الإسلامي، إلا أنّ الأمر يتطلب حكمة وبصيرة كبيرتين، ذلك أنّ وحدة الاهتمام ها هنا هي الإنسان، وبناء الإنسان على أسس غير نقية العقيدة والمتجاوزة لخصوصية الثقافات وفضاء الوجدان لَهيَّ من أخطر أدوات التحكم والسيطرة والاستخذاء.