في كل جلسة من جلساتنا لا بد وتذكر شبكة Netflix الترفيهية وما شاهَدَته من فظائع القصص التافهة وكوارث الانحلال الأخلاقي وتدهور الآخر فطرياً، وتحلل لي الظاهرة الترفيهية في الحداثة وبأن ثقافة الآخر المُحْتَل شَغَل فكرنا وَوجداننا وسلوكنا حتى وصل بنا الحال إلى تتبع جحوره الترفيهية، وكنت أبادلها الحديث معترضة على اقتصارها متابعة هذه المنصة الخبيثة كوسيلة ترفيهية، ذلك أنها لو كانت مِمَن تحب مشاهدة الأفلام فمن الممكن أن تنتقي ما هو هادف أو مستند إلى وقائع حقيقية تاريخيّة أو سردية مذكرات، أو ذلك الذي يدور حول فكرة فلسفية عميقة تعكس أزمة الإنسان المعاصر وجودياً وأخلاقياً والتي غالباً ما كنتُ أنا نفسي انتبه لها من خلال إشارات كتب المتفكرين والفلاسفة المعتبرين في تحليلاتهم للواقع وتشريحهم للإنسان بأبعاده كلها.. تقاطعني مُسْتَفَزة: ليس هناك فيلم يحوي أية فلسفة عميقة!
وتعود لحديثها -ظاهره نقدي باطنه ترويجي لمنصة لا يمكن أن يُطلق عاقلٌ عليها بالترفيهية البريئة- على أن المسألة مجرد تمضية أول ساعات الليل على سريرها قبل النوم في تقليب الأفلام عشوائياً حتى يختارها فيلم ويشرع باستفراغ الوسع في رمي محتواه في صندوق عقلها وَجبّة روحها.. إلى أن يغلبها النوم وتستلم!
هذا الحوار المقتضب يقودني إلى وقفة عَجْلى من التجلية والتخلية والتحلية؛ ثلاثية الاستواء النفسي.
إن كيفية صرف الوقت ومفهومنا عن الترفيه هو المحدد الهوياتي لنا، قل لي كيف تقضي أوقات الاستراحة وكيف تستمتع بوقتك، أقُل لك من أنت.
أما التجلية فهذا الارتهان إلى مفهوم الترفيه وماهيته والمستند إلى رؤى وتصورات الآخر الحضاري لواقعه ومشاكله وكيفية الترويح عن نفسه، هو نوعٌ من أنواع التسليم الفاضح لتلك الثقافة، وهو إشكال خطير تعاني منه عقول شعوبنا ووجدانها، يقفون مسلوبي الإرادة في حرية اتخاذ موقفٍ وجودي قيمي إزاء أدوات الترفيه والاستمتاع المتحرر المنفلت. ذلك أن مفهوم الترفيه العصري غدا فردانياً لحظياً سطحياً مداه الشعور باللذة المؤقتة والسعادة الزائفة.
وأما التخلية، فلا بدّ أن نبدأ من داخل ذواتنا، نسأل أنفسنا، هل هذا النمط من الترفيه لا يصطدم مع ديني ولا يمس عقيدتي ولا يحرمني من تزكية نفسي؟ هو السؤال الأوْلى بالوقوف عليه، ذلك أن فساد العقيدة مضطرد يدور مع التفريط في حفظ المقاصد الشرعية الخمسة التي عاهدنا الله سبحانه وتعالى على أمانة حفظها سلباً في دفع مضار وشرور، ،إيجاباً في جلب مصالح وخيرات.
لا بد أن أقيس هذه الوسيلة الترفيهية على معيار المقاصد الكلية الخمسة: فالدين؛ هل تخالف حكماً شرعياً في مدّ حواسيّ إلى الرذائل والأذى؟ والنفس؛ هل تمنع نفسي عن تزكيتها وتخلّقها بأخلاق المروءة والرجولة والحياء؟ والعقل؛ هل تزرع في عقلي أفكاراً مخالفة للمنطق السليم وتروّج للكذب والنفاق وتحيده عن غاية خَلْقِه في استعماله في ما يرضي الله وفي ما يُعين على استخلاف الأرض وعمارتها والتفكر الجاد؟ والمال؛ هل يؤدي بي إلى وضع مال الله في غير مكانه المثمر في خدمة الإسلام والمسلمين؟ العِرْض؛ هل أكون مثالاً يُحتذى به لعصبتي وأولادي وأقاربي أحفظ به سمعتي وسيرتي؟
ثم إنّ الترويح واللعب والراحة في مجتمعنا الإسلامي ليست نشاطات فردية هَزْلية أنانية منعزلة عن الآخرين، بل نشاطات جماعية تُسهم في نقل مشاعر إيجابية بين الأفراد وتتطلع لتفريج هموم المكروبين والمكتئبين والمتعبين والشدّ من عزمهم وتقويتهم على تحمل ضنك الحياة وتذكيرهم بالمهام الثقال، وتُظهر هذه النشاطات الجماعية أدب الاجتماع وخُلُق الأفراح وسَمتْ النفوس الكريمة لنكون قدوة وأسوة، فإننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة الوسط الشاهدة على العالمين.
لا يُحرّم ديننا الترفيه ولا الترويح عن النفس، بل يضبط سلوكنا ويرشدنا إلى منهج خُلقي مهذب، فتأتي التحلية بأسمى ما يمكن الوصول إليه من دينٍ نقي، ونفسٍ زكية، وعقلٍ حكيم، ومالٍ طيّب، وعِرضٍ شريف. منهج يرتقي بنا إلى معالي المكارم ومراقي السلوك ويبعدنا عن الملهيات الرخيصة والآسِنة للفِطَر والعقول والنفوس.