يقول الفيلسوف الأديب مصطفى صادق الرافعي في السياسة والسياسيين: “ولهم من بعض الكلمات السياسية، كما لهم من بعض الرجال السياسيين؛ فيكون الرجل من دهاتهم رجلاً كالناس، وهو عندهم مسمار دقوه في أرض كذا أو مملكة كذا، ويكون اللفظ لفظاً كاللغة، وهو مسمار دقوه في وثيقة أو معاهدة”.

ابن خلدون في مقدمته يتحدث عن هذه العلاقة بين السياسة والأخلاق، “وقد ذكرنا أن المجد [السياسي] له أصل ينبني عليه وتتحقق به حقيقته، وهو العصبية والعشير، وفرع يُتِمُ وجوده ويكمله، وهو الخلال [خلال الخير].. وإذا كان المُلك غاية العصبية، فهو غاية لفروعها ومتمماتها، وهي الخلال، لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء، أو ظهوره عرياناً بين الناس”.


منذ القرن السادس عشر نادى جلّ الفلاسفة والمفكرين والمنظرين بضرورة فصل السياسة عن الدين والدين عن السياسة بدعوى أن الدين أرقى وأسمى من أن يسبح في مستنقعات المجال السياسي، عدا عن أن الدين لا يستقيم كحامل لثوابت وقيم أن يتلون مع السياسة المتغيرة والنسبية. وكانت من نتائج ذلك الفصل ظهور الدول الحديثة في أوربا، لكن ماذا عن الأخلاق؟ الأخلاق السياسية وأخلاق رجال السياسية؟

رئيس الدولة أو الحاكم يجب أن كون محباً للحق، وأبعد ما يكون عن الكذب السياسي، ولن يكون ذلك إلا إن كان باستطاعته الاطلاع على الحقائق الثابتة الأزلية، لا المتغيرة والفاسدة؛ بمعنى أن يكون أقرب إلى النبي أو الحكيم أو الفيلسوف حسب مذهب أفلاطون حين قال بأن الفيلسوف هو القادر على أن يكون الحاكم العادل والسياسي القادر على سوس المدينة وتنظيم شؤونها. 

تعتبر أخلاقيات السياسة شكلاً من أشكال الأخلاق العملية. وفي المجال السياسي يتم الفصل بين الأخلاق والقيم. ومن المعلوم أن هناك الكثير من الآراء حول هذه الأزمة التي وقع بها العالم، أزمة الأخلاق في عالم السياسة. فالواقع السياسي كما يتبدى لنا واقع مصالح وتبادل المنافع الميكافيلية، تسعى هذه المصالح “لأن توازن بين المصلحة الفردية للسياسي والمصلحة الجماعية للمواطنين، بين مصلحة دولة معينة ومصالح باقي دول العالم”. (عمر بوفتاس، أخلاقيات السياسة، ضمن كتاب الدين والسياسة من منظور فلسفي، إشراف: د. محمد المصباحي، الرباط: أوراش للبحث، 2011، ص 161-179.) من هنا نجد الانفصال الكبير بين الأخلاق النظرية والفضائل وبين التطبيق العملي لها، فالعدالة –كما يجب أن تكون- تمثل الفضيلة المثلى للمجال السياسي، لأنها التطبيق العملي لقيمة الحق، إلا أننا لا نجد في عالم السياسة إلا كل ما هو قبيح، ظلم وخداع ومراوغة ووعود كاذبة… 

لغوياً لكلمة السياسة دلالات عدة؛ كالرياسة والقيادة والترويض والتأديب والتذليل والتدبير والرعية والإصلاح… لعلنا لا نبالغ إن قلنا إن أغلب سياسي العالم اليوم يستخدمون دلالة السياسي كترويض وتأديب وتذليل وإيذاء، تماماً كما تستخدم هذه المصطلحات على الحيوانات لا على بني البشر لما فيها من عنف وتعدي على كرامة الإنسان. يقول بول فاليري “السياسة هي فن منع الناس من التدخل فيما يخصهم”.

ومن دلالاتها أيضاً العُثُّ والدود والقمل السوس هي العث وهو الدود الذي يأكل الحب، واحدته سُوسَة، وكل آكل شيء فهو سوسه، دوداً كان أو غيره، وساس الطعام وتسوس وساست الشاة كثر قملها، ومنها السوس في الأسنان (ابن سيده) أي أنها تلحق بها معاني فاسدة.

تتبنى جلّ المذاهب الأخلاقية الفلسفية المثل القائل: “ليست كل حقيقة صالحة لأن تقال”، على الأقل ليس دائماً وليس لجميع الناس. لكن ماذا لو تحولت الحرب من الحالة الاستثنائية والعرضية والمؤقتة إلى الحالة الدائمة والعادية؟ من الواضح أن الكذب سيتحول هو أيضاً من حالة الاستثناء إلى الحالة العادية والطبيعية.

الكذب سلاح، كما يقول كويري المؤرخ الفرنس وعالم الاجتماع، إنه السلاح المفضل لدى الضعيف الذي يقوم وهو يخدع عدوه بإثبات ذاته والانتقام منه. ومع ذلك فإن الكذب السياسي في عصرنا الراهن بلغ أوجه، فلم يسبق أن كذب الناس بوقاحة وبنظام ثابت مثلما يفعلون اليوم. لقد سُخر لخدمة الكذب الكلام والكتاب والجريدة والمذياع والتلفاز… سُخر له التقدم التكنولوجي برمته. وصار الإنسان في العصر الحديث يسبح في بحر من الكذب، ويتنفس الكذب، ويخضع له في كل لحظات حياته.

تضع المذاهب الأخلاقية الفلسفية في حسبانها، بقدر أكبر مما تفعل المذاهب الأخلاقية المبنية على أساس ديني خالص، أن الكذب يُعبر عنه بالكلمات، لكل كلام مخاطب يُقصد به. ليس هناك إذن إلزام أخلاقي بقول الحقيقة لجميع الناس، وليس لجميع الناس الحق في أن يطالبونا بأن نقول لهم الحقيقة. 

إن الحكومات الشمولية ليست للأسف سوى مجتمعات سرية محاطة بأعداء مهددين وأقوياء؛ وهي ملزمة بسبب ذلك بأن تلتمس حماية الكذب، وأن تختفي وتستتر. صحيح أن هتلر (وكذلك رؤساء بلدان أخرى) أعلن أمام العموم عن برنامج عمله كاملاً، ولكنه فعل ذلك لأنه كان يعلم أن الـ”الآخرين” لن يصدقوه، وأن تصريحاته لن تُحمل على محمل الجد من قبل من لم يجتازوا طقوس الدخول في حزبه؛ فقد كان، وهو يقول الحقيقة للآخرين على وجه التحديد، متأكداً من أنه يخدعهم، وينوّم أعداءه وخصومه. وهذه إحدى التقنيات الميكافيلية القديمة للكذب من الدرجة الثانية، وهي أكثر تقنيات الكذب انحرافاً وفساداً، تصبح فيها الحقيقة هي نفسها مجرد آلة خالصة للخداع. والفيلسوف الألماني هيجل وأصحاب النظرة الواقعية ممن يرفضون القيم النبيلة النظرية، وغير القابلة للتحقيق فعلياً، أن الحرب ضرورية، ضرورتها تأتي من أن السلام الدائم من شأنه أن يؤدي إلى انحلال الشعوب، تماماً كالبحيرات الآسنة العفنة، وما الحرب إلا كالرياح التي تجدد وتنعش تلك البحيرات، كما تهز عادات الشعوب وقيمه وما اعتاد عليه طويلاً. (د. عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، عمان: دار الشروق، ط1، 1996، ص 215. ضرورة الحرب الهيجيلية أتت رفضاً للسلام الدائم الكانتي، ففي كتاب “مشروع السلام الدائم” استطاع كانط باسم العقل العملي/القانون الخلقي، أن يؤكد على إمكان قيام السلام الدائم بين الشعوب وذلك عندما تغدو السياسة العالمية سياسة خلقية. راجع: د. صلاح قنصوه، نظرية القيم في الفكر المعاصر، بيروت: دار التنوير، ط2، 1984، ص 107.)

ليست الأنظمة الشمولية شيئاً آخر غير المؤامرات المتولدة من الكراهية والخوف والحسد، وهي مؤامرات تذكيها الرغبة في الانتقام والسيطرة والنهب أو الاغتصاب، إنها تلك المؤامرات التي نجحت نجاحاً كلياً، أو جزئياً، نجحت في فرض نفسها داخل بلدانها، والاستيلاء على السلطة، والاستحواذ على الدولة. بيد أنها لم تنجح -أو لم تنجح بعد- في تحقيق الأهداف التي حددتها لنفسها، وتستمر لهذا السبب نفسه في التآمر.

إن تحصيل السعادة الإنسانية للفرد والمجتمع والأمة تتأتى من تزاوج الأخلاق والسياسة، أن تحقق السياسة أهدافاً أخلاقية، وأن تقوم على أسس أخلاقية، بل وأن يكون رئيس الدولة أخلاقي وحامل لفضائل وقيم في جوهره ووجوده في المجال السياسي.

وربما نتفق مبدئياً، بأنه مع الثورة السورية تكشفت عملية الفصل الفاضحة للسياسة عن القيم الأخلاقية بشكل جلي، بل وعن الاقتصاد والاجتماع والتغيير في عالم الأفكار بل وتجزئة الثورة واقتصارها على مجال واحد خاص، وتجلى ذلك في الاقتصار على جزءٍ من الأمة في حدود قطرية دون جزئها الآخر، وهذا لعمري منافٍ لأبسط مبادئ الثورة التي أتت كاستجابة لهموم الأمة جميعها.

وخير وصف لتعامل سياسيي الغرب مع المعارضة السورية ورد فعل الأخيرة نجده في قول الرافعي في معجمه السياسي‬:

“وفي السياسة الأوربية موافقات دميمة كالنساء المشوهات، فإذا عرضوا واحدة منها على من يريدون أن يزوجوه… فأباها وفتح لها عينيه بكل ما فيهما من قوة الإبصار، أعفوه منها وقالوا له: سنأتيك بالجميلة، ثم يذهبون بها إلى معهد التجميل اللغوي، فيصقلونها ويصبغونها، ويضعون لها أحمر السياسة وأبيضها، ثم يعرضونها جديدة على صاحبهم ذاك، وما صنعوا ما به صارت الدميمة غير دميمة، ولكن ما به رجع غير الأعمى كالأعمى”. 

وآخر نصيحة جليلة من الرافعي في ماهية الحكومة الصحيحة في مثل حالتنا: “هي أن تحكموا أنتم في الشعب حكومة أخلاقية نافذة القانون، فتضبطوا أخلاق النساء والرجال، وتردوها كلها أخلاق محاربة لا تعرف إلا الجد والكرامة وصرامة الحق، وإلا فكما تكونوا يولى عليكم… نريد لهذا الشعب طبيعة صارمة، ينظر من خلالها إلى الحياة فيستشعر ذاته التاريخية المجيدة فيعمل في الحياة بقوانينها، وهذا شعور لا تحدثه إلا طبيعة الأخلاق الاجتماعية القوية التي لا تتساهل من ضعف، ولا تتسمح من كذب، ولا تترخص من غفلة. والحقيقة في الحياة كالحقيقة في المنطق: إذا لم يصدق البرهان على كل حالاتها، لم يصدق على حالة من حالاتها، فإذا كنا ضعفاء كرماء، أعزاء، سادة على التاريخ القديم، فنحن ضعفاء فقط…”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *