مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت: 728ه) أغلبها دُونت في الرد على أصناف من أنصاف الناس في عصره وعصر ما قبله الذين واجههم، ما دفع ثمنه من السجن والتضييق والعداء الشديد من قبل المخالفين له والداعمين لهم من أصحاب النفوذ..مثل كتابه الفتوى الحموية التي موضوعها، مسألة الصفات الإلهية؛ للرد على جمهور الأشاعرة؛ خاصة في الصفات الخبرية وصفة العلو لله.

وقد واجه صنفين من المخالفين له: من خالفهم في الأصول من أهل الكلام والفلاسفة والصوفية. الذين قدموا عقولهم أو أهوائهم. أما الصنف الثاني: فهؤلاء نشهد وجودهم في زماننا هذا، ولكنهم كما قيل: مقلدون، يقولون ما لا يفهمون، وذلك أنهم رأوا بعض من ينتسب إليه، ويأخذ بأقواله، يخطئ في فهمه لأقوال الشيخ، فحملوا الإمام تبعة هذا الخطأ، وهذا مبدأ فاسد عقلاً وشرعاً.

كتابه “درء تعارض النقل والعقل” يدور حول مقولة  أن “العقل الصريح الخالي من الهوى لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح بفهمه الصحيح”. هذا الكتاب كما يُقال كتاب في المنهج، منهج تلقي النصوص وفهمها وتفسيرها، ومنهج للفهم العقلي بشكل عام. والمنطق الذي نقده ابن تيمية هو نظام استدلال أو هو ما يُعرف اليوم بمهارات التفكير أو فن التفكير والاستدلال ويُسمى صورياً لأنه يتعامل مع المجردات والكليات وليس الأشياء التفصيلية والواقعية. لذلك نقده للمنطق كان من جهتين، للمنطق في ذاته ففيه ثغرات وجوانب نقص، ولا يجوز جعلُه طريق الاستدلال الوحيد؛ أي يتم تفسير النصوص الشرعية خاصة بما يتعلق بالعقائد بالطريقة المنطقية اليونانية مع الجهل بالحديث وآثار السلف. فالدليل العقلي بالأساس؛ ليس شيئاً موضوعياً متفقاً عليه بين العقلاء، بل غالب ما يُقال إنه عقليٌ مختلف عليه. والدليل اختلاف الفلاسفة واختلاف أهل الكلام فيما بينهم حول مسألة واحدة بقواعد عقلية مختلفة. فلو كان “العقلُ” شيئاً واحداً لما اختلفوا. 

ومن آثار المنهج العقلي أن تم إنكار طريق المعرفة “السماع” وإعلاء طريق المنطق ويقنيته بقضاياه العقلية والحسية. ذلك أن هذه اليقينية نُقدت في عصور النهضة الفكرية في أوربا، يقينية المنطق الأرسطي كطريق للمعرفة.

وفي هذا الباب لا بد أن أعرّج على الشاطبي (ت: 790ه) وبينهما تقريبا 40 سنة في كتابه “الموافقات” يوافق ابن تيمية من حيث تبيانه للفرق الضالة علاماتٌ وخواص في الجملة وعلاماتٌ في التفصيل. 

أصحاب البدع والكلام ممن لم يفارقوا الدين وإنما اختلفوا فيما أُذن لهم فيه بالرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً فاعتمدوا على أفهامهم وعقولهم في الاستدلال. ثم أهل الزَيّغ والميل عن الحق ممن اتبعوا المتشابهات وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان أخذاً أولياً وإن كان ثمَّ ما يعارضه من كلي أو جزئي..”. ثم أهل الأهواء. أما أسباب الخلاف الواقع بين حملة الشريعة فقد حصرها ابن السيد البطليموسي في ثمانية أسباب كما يشير الشاطبي: اشتراك الألفاظ والمعاني، الحقيقة والمجاز، الإفراد والتركيب، الخصوص والعموم، الرواية والنقل، الاجتهاد بما لا نص فيه، الناسخ والمنسوخ، الإباحة والتوسع.

ما يهمنا أن الشاطبي وابن تيمية يقرران أن الراسخين في العلم هم الذين يعدون أن الشريعةَ بعلومها صورةٌ واحدةٌ لا تكتمل بجزءٍ منها بل بجميع أجزائها، كالجسدِ الواحد الذي يخدم كلُ عضو بعضه بعضاً. أي بمعنى لا يُقبل الأنصاف من العلماء في العلوم الشرعية، وذلك: “بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على مقيدها ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها…” وسياقات النصوص في مقالها ومقامها وما يحيط بها من قرائن.. 1/ 254 الاعتصام.

وهو ما لفت إليه النظر د.معتز الخطيب في مقاله “تغيير خلق الله” وسلطة الحلال والحرام في أن فتاوى كثير من المفتين المعاصرين سواء تابعين لنظام ما أو جماعة تميل في المسائل الاجتماعية إلى تفضيلات شخصية انتقائية وهي إما ذاتية أو اجتماعية بالتالي تكون قائمة على تحيزات فردية وثقافية يتم إلباسها سلطة الحلال والحرام. وهذا يعود إلى عدة أسباب منها كما يقول أنها جزءٌ من سياسات الهوية تحيل إلى أخلاقيات تنظيمية خاصة معنية بتحصيل مطالب الانتماء والولاء للجماعة، والضبط والسيطرة والتحكم وسيلتها التحليل والتحريم. أو أنا على حق والآخر على باطل. 

ويُقال إنما يفسد الدنيا (أو الناس) أربعة: نصفُ متكلمٍ، ونصفُ فقيهٍ، ونصفُ طبيبٍ، ونصفُ نحويّ .
نصف المتكلم: يُفسدُ الأديان، ويشار إلى المعتزلة والأشعرية وأمثالِهم ممن أثبتوا العقائدَ بالكلام أي بالعقل، لأن الدينَ مبنيٌ على العقيدة إذا فَسَدت العقيدةُ فَسَد الدين. نصف الفقيه: يفسد البلدان، لأن نصف الفقيه يفتي ويقول هذا حلال وهذا حرام، لا سيما إن تولى القضاء تحت حكم سياسة لا عدل فيها. نصف طبيب، هذا يفسد الأبدان. وهنا ممكن أن نوسع من هذا المفهوم ونقول إنه يشمل كل العلوم التطبيقية. نصف نحوي: الذي يفسد اللسان، اللسان العربي، ليس الذي يرفع المنصوب ويجر المرفوع بل من يدعي تمكُنَه من تفسير القرآن الكريم وهو لا يعلم قواعد اللغة العربية أو يرفض الرجوع إلى معاجم اللغة العربية القديمة بحجة أنهم هم رجال ونحن رجال. كذلك يندرج تحته كل من يفرط في اللسان العربي الذي يشكل هويةَ الأمة الإسلامية وثقافتَها. 

 نظرية الأنصاف هذه تشمل الأشخاص ممن لم يتقن تخصصه ولا اتبع منهج الجدّ والاتقان ولا حمل قيمة المسؤولية والأمانة والعهد التي أمرنا الله تعالى الانتباه إليها في أمورنا كافة لإعمار الأرض {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]. في عصرنا ما أكثر هؤلاء الأنصاف من الرجال والنساء، ولنا أن نسحب هذا القول على جميع الأشخاص ممن يدّعون امتلاكهم لفنٍ من الفنون والعلوم والمهن والوظائف وهو ما وصل إلى النصف أو حتى الربع في تخصصه، فما بالُك بالرويبضة؟ التافه الذي يتكلم في أمر العامة.

ومن مآلات وجود هؤلاء الأنصاف في مجتمعاتنا طغيان الشكل على العمق الذي فيه الحرفُ يخاصم الفكرَ والوعي ويعاندهما. هو موضوع خطير لا يُستهان به وهو المسؤول عن ظهور ظاهرة “الهزل” الذي هو الخفة عكس الجدّ. ومن اللطيف الإشارة هنا إلى برغسون الفيلسوف الفرنسي الذي تحدث عن هذا الهزل في كتابه “الضحك” ذلك الهزل الذي يهتم فقط بالقواعد الشكلية التي تحمي القاضي والسياسي وعلماء السلاطين وأكاديميه للدفاع عن أشخاص والتهليل لهم في حضرة قدسية المهنة. وكأن الأساس هو وجود سياسيين وعلماء وقضاة… من حولنا حتى ولو كان وجودُهُم شكلياً فقط لتجسيد هذه المهن أيّ “أن تكون الأشياء الخارجية في المهنة محترمة بدقة وهذا المهم. ولم تعد المهنةُ تُصنع من أجل الجمهور بل الجمهورُ يُصنع من أجل المهنة”.

الأمة تحتاج إلى أهل البراعة والجدّة في كل تخصص، الراسخون في فن كل علم من العلوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *