أحمد الله وأشكر نعمه عليّ بأن طرقت أبواب الدنيا ومتاعها من الندوات والصالونات الأدبية وبلغت من المكانة العلمية المزعومة ما بلغت، وانخرطت في الحياة الثقافية والسفر وطلب العلم السائد آنذاك قبل الثورة، وأنني مذ 2011 تركت كل ذلك – بل جلّه- لله. والله ولي التوفيق.
وكنتُ لما وصف ابن الجوزي بعض الرجال أقول لنفسي ترنيمة الصباح والمساء: “تحرقي يا قلوب ألماً وكمداً… لقد أضاع الرجال رجولتهم”. وكما قالت إحداهن في الزمن الغابر: “أحمل رأساً قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغسله، ألا من فتىً يحمل عني ثقله”.
فليس من السهل بالطبع ولن يقدر عليها إلا ثلة الثلة، إلا أنها المنهجية الأمثل لتنقي فكرك من كل ما قد يعلق بها من مفاهيم وقيم شائبة مشبوهة ملتبسة، تماماً كمن يريد تجديد أو “تعزيل” منزله. المنزل البناء، الجدران والنوافذ والأبواب عقله المحيط بحواسه، وحواسه المداخل لأحداث الخارج وصوره. فالذي يريد إعادة الإكساء والتنظيف والديكور يهدم كل شيء غير جوهري في المنزل؛ يقشر الدهان القديم أو يزيل الجدران غير الجوهرية ضمن البناء كله، ينفض المجاري ويبدلها… بعد أن يكون قد أخرج من منزله/عقله كل الأثاث والحاجيات الخاصة والكماليات منه، وبعد الترميم والنفض والتعزيل والتنظيف يعيد أثاثه كل حسب صلاحياته وأصالته؛ توافقه مع عصره الذي هو فيه من ألوان ومستلزمات، قد يحتاج لجلب الجديد لقدم وانتهاء صلاحية القديم، وقد يحافظ على بعض القديم منه، لأنه سيكتشف أنها أصيلة وجوهرية ولم يأتِ عليها الزمن من تشوهات.
هكذا كان عقلي طوال فترة الثورة، وهكذا كنت معه. وكلما انخرطت مع الناس، كلما علمتُ وأدركتُ أنهم لم يسمعوا قط بهذه الاستراتيجية، ولا حتى أتعبوا أنفسهم بعملية التنظيف! فما بالك بإعادة الإكساء والبناء؟
وللمكاشفة، إن قمتَ بهذه العملية فإنك لا محالة ستشعر بالغربة، وستكون بلا قبيلة ولا عائلة تضمك وسيتبرأ منك المجتمع بأكمله، لكنك -ولله الحمد- ستتمكن من مشاهدة الجميع والأحداث من عل، وستدرك أن مسؤولية كبرى حملتها أبينّ الجبال حملها، وأُمرت أن تسعى في غياهب العقول كي تزرع ما حملته وما اكتشفته من رحلتك أنت؛ فتبذر بذوراً من ثمار عقلك وتزرعها في عقولهم علّها تنمو شيئاً فشيئاً إلى أن تثمر هي الأخرى…