سبب اختيار هذا البحث: سبب ذاتي وموضوعي
- كوني من خلفية فلسفية مطلعة على مبحث القيم كمبحث أساس في سلم المباحث الفلسفية شغلتني الهوة الكبيرة بين النظريات القيمية وحيز تطبيقها.
- تخاذل الوجدان الإنساني وانقلاب ميزان القيم وازدواجية المعايير التي ظهرت جلياً مع خذلان المسلمين في سوريا (ومن قبلها العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين) دفعني للبحث في منظومة القيم التي تقوم عليها الدول.
- ثم اكتشفت ‑وهو ليس اكتشافي وحدي‑ أن أحد الأسباب العميقة وراء هذا الخلل القيمي الذي أصاب الأمة يعود إلى تغييب مقاصد الشريعة في مفهومها الواسع عند نشوء ما يُعرف بالدولة القومية أو الحديثة وإحلال قيم الغرب محل قيم الإسلام.
وسأحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما آثار الطغيان والحكم الاسبتدادي وقيم الدولة الحديثة على منظومة القيم المجتمعية؟
- ما مدى تأثير غياب المقاصد في تحويل القيم الفاضلة إلى قيم نفعية عرضية؟
- كيف السبيل إلى سد الفجوة بين مقاصد الشريعة وواقع المسلمين؟
القسم الأول: القيم وفلسفتها
تحديد المفهوم
القيم: جولة فلسفية
الدولة الحديثة ومنظومة قيمها
القسم الثاني: مقاصد الشريعة ومكانة القيم فيها
إرهاصات علم المقاصد وأقوال العلماء عنها
الضروريات الخمس ومكملاتها من القيم
المقاصد والقيم بين التنظير والتطبيق
خلاصة وتوصية
القسم الأول: القيم وفلسفتها
تعريف القيمة: قَيِمة الشيء: ثمنه. وأمر قيّم: مستقيم. وفي القرآن الكريم من معاني القيمة: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}، القَيِّمة أي الأمة العادلة والمستقيمة. القيم إذن هي ما به قيام الشيء واستقامته واعتداله.
فلسفياً؛ تأتي أهمية القيم من كونه أحد مباحث العلوم الفلسفية، حيث يأتي كمبحث أخير من سلم المباحث النظرية: الوجود، المعرفة، القيم. باعتبار أن القيم هي المحددات السلوكية والخلقية والمعايير والضوابط الاجتماعية أو الغايات العليا المستمدة من الشريعة (الدينية كانت أو الوضعية) التي تنظم حياة الفرد وعلاقته مع الآخر ومع الكون، تنظيماً خيّراً في كل زمان ومكان ليحقق وجوده تحقيقاً أقرب إلى الكمال.
تاريخ الفكر الإنساني يكاد يُجمع على الأخذ بثلاثية القيم المطلقة أو المثالية، وهي:
1.قيمة الحق (مستوى عقلي)، فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم، من خلال عقل يستقرئ الحق. 2. وقيمة الخير (مستوى أخلاقي) فيما ينبغي أن تكون عليه تصرفات الإنسان، من خلال إرادة تستقطب الخير. 3. وقيمة الجمال (مستوى فني) فيما ينبغي أن يكون عليه الشيء الجميل، من خلال حس يتذوق الجمال.
هذه القيم مثّلت عبر التاريخ الإنساني غاية الطموح الإنساني في المجتمع لبلوغ السعادة.
لماذا سميت بالقيم المطلقة أو المثالية؟
هي مطلقة لأنها غاية بذاتها، صفتها الثبات، متعالية على تغير المراحل التاريخية، بعيدة عن نسبية الحوادث الواقعية، تحتفظ بقيمتها الذاتية والمستقلة عن أهواء البشر ورغباتهم. والقيم العرضية أو النسبية على الطرف النقيض من القيم المطلقة.
إن تاريخ الفكر الإنساني والفلسفي تحديداً ينفي ذلك. وبنظرة تاريخية نجد أن لكل مذهب ولكل فيلسوف نظريته الخاصة في تحديد القيم. كيف؟ سنرى معاً.
القيم: جولة فلسفية
بعض فلاسفة اليونان عدّوا الفضيلة هي القيمة الأخلاقية العليا، وأَرِسطو (322 ق.م) من الفلاسفة الأوائل الذي كتب كتاباً كاملاً متكاملاً عن فلسفة الأخلاق عنوانه “أخلاق نيقوماخوس” (ابنه) كتب فيه عن نظرية الخير والسعادة ونظرية الفضيلة الخلقية التي هي وسط بين رذيلتين، فالشجاعة، هي الوسط بين التهور والجبن. وقد أصبح مرجعاً لفلسفة الأخلاق في الغرب. وترجم في ق 3 ه إلى العربية.
النقلة القيمية التي حدثت في تاريخ الفكر أتت مع فلاسفة القرن 19 تحديداً، ماركس وفرويد ونيتشه الذين رفضوا المثل العليا، وشككوا بكل قيمة وأخلاق، فمع “ماركس نشهد انغماساً في الضباب لكشف التسطيح والتفاهة والأقنعة البرجوازية، ومع نيتشه أُفرغت الأخلاق من القيم، ومع فرويد نلمس توغل اللاتجانس والنسبية والفوضى إلى داخل النفس بعد أن كان خارجها (المجتمع والأخلاق)”. كما يقول فيلسوف ما بعد حداثي (فوكو).
وكان هناك الفلاسفة النفعيين الإنكليز مثلBenthan و Stuart mill حيث أقاموا الأخلاق والقيم على ما هو ذاتي نفعي، من ثم أدى ذلك إلى القول بمركزية الإنسان، فالذي يسبب اللذة والسعادة هو ذو قيمة والعكس صحيح. يقول سبينوزا Spinoza ق17: “نحن لا نرغب في شيء لأنه قيّم، بل إنه قيّم لأننا نرغب فيه”. فالقيم ذاتية نسبية تخضع لما يستسيغه الفرد والجماعات وما تتواطؤ عليه، لا وجود لضابط ومحدد أخلاقي واحد.
أعود لفلسفة نيتشه Nietzsche ونظريته في القيمة مطلع القرن 20. حيث اعتنق نيتشه فلسفة قيمية تدعو إلى القسوة بدل الإحسان، ورفض اتصاف القيم الأخلاقية بالصفة المطلقة، ورفض القيم المفروضة على الإنسان من الخارج، وهدم القيم القديمة، وماتت الآلهة، والإله الجديد الوحيد هو الإنسان الأعلى “السوبرمان” وهو هادم يملك الإرادة لأن لا يرحم أحداً.
الأخلاق عنده نوعان: أخلاق السادة، وأخلاق العبيد والضعفاء، أما أخلاق العبيد فإنها تصدر عن الكذب والبغض والحقد على السادة الأقوياء الأرستقراطيين وتتمثل في أخلاق الوفاء والصبر والشفقة والرحمة، وما دعت إليه الديانات. وأما أخلاق السادة فهي تتمثل في حب المخاطرة والقوة واحترام العنف والقسوة والكراهية. ومن هنا بدأت تتشكل أنواع الاستبداد، وما يُعرف بالعولمة القيمية، وثقافة قيمة الاستهلاك “كل ما يُنتج يجب أن يُستهلك”.
الفلسفة النفعية وفلسفة نيتشه في القيم هي أساس قيم الدول الغربية التي قامت عليها مطلع القرن 20 إلى يومنا هذا. مع تطوراتها وتفرعاتها واتخاذها أشكالاً متعددة.
وهناك طرح ثالث لمفهوم القيمة تبناه المتدينون من الفلاسفة وغيرهم، ففي نظرهم يعود أصل القيمة إلى اللا إنساني، الذي هو مصدر الوجود ومصدر التقويم معاً. إنه الأصل المطلق، ويتميز بمفهوم عام هو مفهوم المقدس، أو القيمة الأولى، مصدر سائر القيم.
ومن يريد الاطلاع على تاريخ الفكر الفلسفي بأسلوب جميل يربط بين كل الاتجاهات والمذاهب وتطورها فليقرأ رواية “عالم صوفي” لجوستاين غاردن، مع أنه وبشكل عجيب لا يذكر أي إشارة إلى أي فيلسوف مسلم ولا لأية فلسفة إسلامية! لربما لجهل المؤلف بها أو لأنه من أصحاب نظرية أن لا وجود للفلسفة الإسلامية وإنما هي عبارة عن تلفيق بين الفلسفة اليونانية والإسلام.
نعود للسؤال السابق هل هناك قيم ثابتة مطلقة لا تتأثر برغبات الإنسان وأهوائه؟
أعطيكم مثالاً: في الفن الغربي وُضع معيار قيمة الجمال وعُبر عنه بصورة، وفُصل بين قيمة الجمال وقيمة الحق والخير، فغدت التماثيل العارية المنتشرة في كل ساحة ومتحف ومكان سياحي تجسد فناً راقياً يعكس القيمة الجمالية لهذا الشعب أو ذاك والأغرب أن الكثير من المسلمين يؤمنون أن هذه التمائيل هي معيار الفن الجميل! وأغرب الغرائب ما استلهمه العرب من هذه التماثيل، فبدلاً من هذه التماثيل العارية وضعوا أصنام الآباء الزائلين القادة العظام …
في الواقع عندما تنزل القيم المثالية منزلة العرضي ويُخلع عليها النسبية والفردية وقيم القوي والغالب، يحدث الخلل في منظومة قيم أي مجتمع، في الغرب أو في العالم الإسلامي وفي كل بقعة أرض، طالما أنها من وضع البشر فلن تكون مطلقة أبداً بل ستخضع للتغير والنسبية، وتتحول إلى قيم نفعية تُتخذ وسيلة لغايات وأهواء من بيده السلطة والقوة؛ الناعمة والعنيفة، كقيمة الكرامة الإنسانية التي تلاعبت بها نُظُم الاستبداد والنُظم الشمولية والقوى الكبرى، والنُظم التي تخلع على نفسها صفة الديمقراطية في تعاملها مع الإنسان الآخر وكرامته! لتنزل من مرتبة القيمة المطلقة إلى النسبية العرضية.
الأنكى أن هذه القيم الثلاثية ظلت في مجال الترف الفكري وأقرب ما تكون إلى تنظيرات ونظريات فلسفية تناشد فيها ما ينبغي أن يكون- ولا يكون، بل هناك مشكلة أخطر وهي أننا أصبحنا في تسليم مطلق بأن هناك قيماً ثابتة وحيدة صالحة لكل زمان ومكان ولمختلف البشر حُددت من قبل الآخرين؛ من فلاسفة وغيرهم ومشينا عليها حتى دخلنا جحر “الضب القيمي” من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ …”. وهذا بالضبط ما أبدع فيه ابن خلدون في نظريته الغالب والمغلوب فيقول: إن المغلوب مولع بتقليد الغالب في عوائده ونحلته وسائر أحواله أي: تصوراته، مفاهيمه، مناهجه، قيمه، لباسه، وعمرانه…
قيم الحق والخير والجمال التي عكف عليها فلاسفة الغرب دراسة وبحثاً وتأملاً وتنظيراً مصدرها العقل أو الرغبة أو الذوق الفردي، والفرق بين هذه وقيمنا أننا نملك مصدراً لقيمنا يعود إلى الوحي أولاً وثم إلى الوجود، من سنن وحوادث وتبادل وتفاعل …
ومثال على دخولنا جحر الضبّ القيمي: مفاهيم منظمات حقوق الإنسان وقيمها القائمة عليها وكل المنظمات التي تدّعي مناصرتها للإنسان هي ليست محايدة أبداً ولا تنادي بكرامة الإنسان لمجرد أنه إنسان، بل بما هو إنسان على مقاس الغرب، وما تحقق من مصالح للغرب. وهل هذا الإنسان مسلم؟ سنيّ؟ لأن هناك فرق وأولويات. وخير دليل وأقوى برهان على تهافت وسقوط أخلاق المنظمات الدولية التي تدعي حقوق الإنسان وما دار في فلكها ما حدث ويحدث في سوريا.
وبالمناسبة راجعوا إلى كتب المبدع والمستشرف للمستقبل المهدي المنجرة المغربي الذي عمل مستشاراً وعضواً في العديد من المنظمات والأكاديميات الدولية… ثم ترك العمل في اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية بعد ما خبر أسرارها وقيمها القائمة عليها، التي لا تخدم إلا الغرب ورؤيته فقط وتسير في اتجاه واحد هو خدمة الدول الكبرى. (مثل كتاب: الحرب الحضارية الأولى، والإهانة في عهد الميغا إمبريالية).
الدولة الحديثة ومنظومة القيم القائمة عليها
في مقدمة كتاب الإمام الجويني (ت: 478ه) غِياث الأمم في التياث الظُلَّم نقرأ وصفاً لحال الأمة في عصره وكأنه يصف ما ألم بالأمة في يومنا هذا، يقول: “فَلَيْتَ شِعْرِي مَا مُعْتَصَمُ الْعِبَادِ، إِذَا طَمَا بَحْرُ الْفَسَادِ؟ وَاسْتَبْدَلَ الْخَلْقُ الْإِفْرَاطَ وَالتَّفْرِيطَ عَنْ مَنْهَجِ الِاقْتِصَادِ، وَبُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِعَالِمٍ لَا يُوثَقُ بِهِ لِفِسْقِهِ، وَبِزَاهِدٍ لَا يُقْتَدَى بِهِ لِخُرْقِهِ؟ أَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مَسْلَكٌ فِي الْهُدَى، أَمْ يَمُوجُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ مُهْمَلِينَ سُدًى، مُتَهَافِتِينَ عَلَى مَهَاوِي الرَّدَى؟ فَإِلَى مَتَى أُرَدِّدُ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ فُنُونًا؟ وَأَجْعَلُ الْكَائِنَ الْمُسْتَيْقَنَ مَظْنُونًا؟
كَانَ الَّذِي خِفْتُ أَنْ يَكُونَا *** إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاجِعُونَا
عَمَّ مِنَّ الْوُلَاةِ جَوْرُهَا وَاشْتِطَاطُهَا، وَزَالَ تَصَوُّنُ الْعُلَمَاءِ وَاحْتِيَاطُهَا; وَظَهَرَ ارْتِبَاكُهَا فِي جَرَاثِيمِ الْحُطَامِ وَاخْتِبَاطُهَا، وَانْسَلَّ عَنْ لِجَامِ التَّقْوَى رُؤوسُ الْمِلَّةِ وَأَوْسَاطُهَا، وَكَثُرَ انْتِمَاءُ الْقُرَى إِلَى الظُّلّمِ وَاخْتِلَاطُهَا. {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا}”.
هذا الكتاب [أي إغاثة الأمم عند تجمع والتفاف المظالم عليهم] ألفه الإمام الجويني في السياسة الشرعية يبين فيه سبيل خلاص المسلمين، وهو كتاب مليءٌ بالقواعد المقاصدية الشرعية موضوعه أن العصر الذي عاش فيه وهو عصر سيء -كما يبدو- يُنذر بعصور ستتعاقب على المسلمين أسوأ بكثير حينما تنعدم فيها الخلافة وينعدم الإمام وينعدم المجتهدون المطلقون…
المنظومة القيمية الثابتة للدولالعربية، بعد سقوط الدولة العثمانية مطلع القرن 20، رسختها شبكات الإجرام العالمية والمحلية في الوطن العربي، حسب تعبير الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي، هذه المنظومة تتسم بالتبعية والخضوع واتفاقات سياسية لا يمكن تغييرها بأي شكل من الأشكال، وإلا تغيرت معها وجوه النظام القديم، بالتالي خلخلة المصالح والاتفاقيات الدولية. فـ”الدولة” القومية العربية (التي فُرضت من قوى الاحتلال أخذت أسوأ نموذج للدولة القومية وأسوأ تطبيق) ومؤسساتها بما فيها أجهزة المخابرات والأمن والجيش والتعليم وكل شيء، قائمة على منظومة قيم فُصّلت على مقاس هذه البلاد (انظر مقالته القيّمة: الحرب الدائمة وشبكات الإجرام، على موقعه الخاص).
استحكمت حلقات الفساد في المؤسسات الرسمية والخاصة، في كل وزارة ومؤسسة وهيئة؛ فساد في الأموال الخاصة والعامة، فساد التعليم، فساد الإدارة والتشغيل، فساد المناهج، فساد الفقهاء والمشايخ والمعلمين والمهندسين والأطباء، فساد النفوس والأخلاق.
على المستوى الاقتصادي وبسبب احتكار ثروات البلاد بأيدي أصحاب السلطة والمال وتفشي النهب والسرقات، عانت المدن المهمشة في أغلب البلاد العربية من انتشار البطالة والفقر والجهل إلى حد مهين للكرامة والوجود الإنساني. وارتفع عدد الفقراء والمشردين والمعدمين، وبات إذلال الفرد من قبل أجهزة المخابرات والأمن وقهره واستباحة كرامته ومعاملته كشيء لا قيمة له، أقصى حالاته كرقم، أمراً عادياً مسلماً به.
في الدول العربية باتت القوانين والتشريعات التي تحترم قيم الإنسان معدومة، وحدها القيم الموافقة لمصالح الفئة الحاكمة ومن دار في فلكهم هي الحاكمة. وغدا أصحاب السلطة والنفوذ محميون من قبل الدولة، بل ويملكون غطاءً قانونياً على ممارساتهم غير القانونية، وتبنت النُظم السياسية العربية أقصى الأخلاق انحداراً ووحشية، وجعلها أخلاق كل من ينضوي تحتها في مؤسسات الدولة بموظفيها والقائمين عليها. خذ مثال الرشوة، لم ولن تستطع أن تفلت منها في حياتك، في أي مجال وفي أي وزارة أو مؤسسة كان العمل أو المهمة لا تُنجز إلا بالرشوة التي أطلقوا عليها إكرامية أو هدية أو … فأصبحت قيمة وخُلق وعُرف كل البشر.
يجب أن نفرق بين العدل الأخلاقي والعدل القانوني ضمن قيمة العدل؛ ففي أغلبها الأول منتفي في القضاء والمحاكم ومناحي الحياة العامة كافة بسبب طغيان الثاني. ذلك أن العدل القانوني هو من وضع البشر وهؤلاء خاضعون لسلطة حاكمة وهذه السلطة مكونة من طغمات سياسية ومستبدين.. فكيف سيتحقق العدل على هذا الأمر؟
وإن جئنا إلى قيمة الجمال ومظاهرها في البلاد العربية لألفنا مئات الكتب لوصف ما لحق من تشوه في عمق هذه القيمة وما يتصل بها من مفاهيم الفنون وأسلوب التعبير عنها والكيفية التي تقدم للناس والتي تعتبر المعيار والمقياس لحس المجتمع الذوقي والجمالي.
السلطة الطغمة في البلاد العربية لم تكتفِ بتدمير الحياة السياسية ومنع حقوق إنسانية كثيرة، بل دُمرت القيم الجمالية المتأصلة في ديننا الإسلامي والتي مجالها الإنسان؛ وكلما ابتعد الإنسان عن صفات الصدق والشرف والعفة… أصبح مواطناً صالحاً!
أخبرنا الله تعالى أن رسالة إبليس على الأرض تتلخص في تزيين القبيح وتجميله وكذا أبالسة الإنس يجملون القبيح من الفعل والصورة حتى اختلط على الناس ما بين الحسن والسيء، وبين الخير والشر. وخُلع على مفهوم الجمال مادية فجة، وخير تجل لذلك أصناف الفنون الهابطة أو السطحية التي سادت المجتمع العربي. الأمسيات الشعرية الهابطة التي تمجد الأب الخالد وتقول فيه شعراً خالداً في افتتاحية كل أمسية شعرية!
التشويه الجمالي والعقلي والديني طال التربية والحياة التعليمية بطبيعة الحال، فتربت الأجيال على خلل في التفكير، وانعدام المنطق، والبعد عن التحليل القويم وآليات التفكير السليم وعلى عبادة الذات والانصياع الأعمى ودفن لمشاعر النخوة والغيرة وسيادة النفاق والوهن والتملق. وفي انتشار هذا القبح والتشويه انتفت خيرية المجتمع، وتم القضاء على أي فضاء ثقافي أو معرفي أو جمالي إن لم يكن تحت شعار قيم الحزب الحاكم.
مفهوم المعرفة نفسه الذي تبنته المؤسسات التعليمية والتربوية تعترف فقط بأن مصدر المعرفة يعود إلى الحس والتجربة وفقط، ونحن المسلمين لنا مصدر معرفي قبل كل ذلك هو الوحي، والذي حُيد جانباً.
وظهر جلياً العداء للإسلام الذي لا يتوافق مع قيم الزهد والانسحابية والاقتصار على الشعائر الظاهرية وتفريغ الدين من قيمه السامية وعقيدته الجوهرية، في إعمار الأرض وخلافتها بكلمة التوحيد.
القسم الثاني: المقاصد الشرعية ومكانة القيم منها
لغوياً: القَصْدُ: إتيان الشيء. والقَصْدُ: العدل. {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيل} أي بيان الطريق المستقيم المُوصل إلى الحق. فالقصد هو الهدف والغاية المراد الوصول إليها. وقد قلنا إن من معاني القيمة: الثبات والاستقامة وهذا ما يلتقي مع المقصد ومفهومه كما سنرى.
قلنا إن تاريخ الفكر الإنساني يكاد يُجمع على ثلاثية القيم، إلا أن الإسلام أتى بنظام قيمي خاص يحوي وصايا أخلاقية هي بحد ذاتها قيمٌ مرشدة تبين للناس سبيلهم سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو عمرانية… وهي المعروفة بـ”الكليات العامة” أو مقاصد الشريعة والتي قسمها العلماء المقاصديون إلى خمسة أقسام: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
هذه المقاصد تكمل بعضها بعضاً للوصول إلى قيمة مطلقة، هي قيمة الصلاح؛ أي ما يصلح به حال الناس في عالمي الشهادة والغيب، وترفع الضرر عنهم وتنظم حياتهم الاجتماعية.
أمثلة: الدين شُرّع لإقامته العبادات وشرع لحفظه الجهاد…
النفس شرع لإيجادها النكاح وشرع لحفظها القصاص على من يعتدي على الآخر…
العقل شرع لحفظه تحريم الخمر…
النسل شرع لحفظه عقوبة الزنا والقذف وحرم الإجهاض…
المال شرع لحفظه حرمة الربا وأكل المال بالباطل…
إرهاصات علم المقاصد وأقوال العلماء فيها
منذ القرن الثالث الهجري ظهرت إرهاصات هذا العلم من خلال كتب أصول الفقه وعلم الفقه وحتى في علم الكلام. ولم يظهر العلم كعلم كامل مستقل إلا في العصر الحديث. ومن الكتب التي تناولت مقاصد الشريعة المنثورة فيها والتي استندتُ إليها في بحثي هذا:
– غِياث الأمم في التياث الظُلَّم، أبو المعالي الجويني، ق 5ه فقيه شافعي من نيسابور/ إيران.
-إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي أواخر القرن الخامس، كتاب مليء بعلل الأحكام الشرعية ومقاصدها.
– قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام ق 7- 8 فقيه وقاض ومفسر دمشقي اُشتهر بلقب بائع الملوك.
– المقدمة، ابن خلدون الحضرمي الإشبيلي، ق 8-9 قاض ومؤسس علم الاجتماع المشهور.
– الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي ق8ه من أئمة المالكية. بعده توقف الحديث عن المقاصد مع سقوط الأندلس الذي أنذر بسقوط الدولة الإسلامية.
-إلى أن أتى الطاهر ابن عاشور ت: 1973 وألف ك. “مقاصد الشريعة الإسلامية”، فقيه وقاض تونسي، وأول من دعى صراحة إلى هذا العلم كعلم مستقل عن العلوم الإسلامية.
– مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي ت: 1974، أحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت في القرن 20، ودعت إلى سلفية تجديدية.
ومن أراد البدء في العلم أولاً للتعرف عليه بالتدريج، أنصحه:
– مجلة المسلم المعاصر، عدد خاص بمقاصد الشريعة، جمعية المسلم المعاصر، عدد 103، سنة 26، 1422ه/2002م.
الإمام أبو حامد الغزالي (ت: 505ه) فصّل في المقاصد الشرعية من باب مصالح الإنسان وصلاحه، يقول: “فكل مصلحةٍ لا ترجع إلى حفظ مقصود فُهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه لخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة”(ك. المستصفى).
وفي هذا المجال يقول ابن القيم (ت: 751ه): بُنيت الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحٌ كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل. (ك. إعلام الموقعين) هذا يعني أن كل فعل أو معنى حمل مصلحة وتماهى مع قيمة من القيم، فهو يندرج تحت المقاصد الشرعية.
ويقول الإمام الطاهر بن عاشور (ت: 1393ه) في غاية المقاصد حيث يظهر توسعاً أكبر في مفهومها حين ركز على الجانب الاجتماعي لها وأضاف عليها مسألة ضرورة صلاح نظام الأمة: “إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقرأة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه” (مقاصد الشريعة). ويصحح المراد من مفهوم الإصلاح بقوله: “ولقد علمنا ما أراد من الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما يُتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في حياتهم الاجتماعية. فإن قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أنبأنا أن الفساد المحذر منه هو إفساد موجودات هذا العالم”.
إذن المقاصد هي الغايات والقيم التي أراد الله ‑جلّ وعلا‑ تحقيقَها من خلال تشريع أحكام لترعى صلاح الفرد والأسرة والمجتمع الإسلامي، ولتحييه حياة طيبة في الدنيا والآخرة.
هي أعم وأشمل من القيم، تحمل قيماً كثيرة متعددة تصب كلها في قيم أساسية ومقاصد ضرورية عليا تمثل شروطاً ضرورية لمنهج محدد لحياة الإنسان، وضابطاً صارماً لسلوك إنساني مستقيم. وتُعبر عن ما هو مطلق، هذا المطلق هو مصلحة الإنسان، والجامع بين المقاصد والقيم هو “بلوغ ما يجب أن يكون” من خلال الأحكام الشرعية. وفي الخروج عنها يدخل المجتمع دائرة الفساد والاختلال وفوت الحياة.
الضروريات الخمس ومكملاتها من القيم
قلنا إن ضرورات خمس استقرأها علماء أصول الفقه من الكتاب والسنة تمثل المعيار لضبط صلاح حياة الإنسان وهي التي تندرج ضمنها علل الأحكام الشرعية.
هذه الضروريات هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. إذا ما انخرمت لم يبق للدنيا وجود أي الخاص بالمكلفين والتكليف كا يقول الإمام الشاطبي، وبجانب هذه الضروريات هناك مكملات تدور “حول حمى الضروري خادمة له، ومقوية لجانبه، لو خَلَت عن ذلك أو عن أكثره لكان خللاً فيها. وعلى هذا الترتيب يجري سائر الضروريات مع مكملاتها لمن اعتبرها”.
المكملات باختصار هي القيم، كما سنرى. وعليه قُسمت مراتب المقاصد إلى ثلاث: الضروريات والحاجيات والتحسينيات. والحاجيات هي التي يحتاج إليها الناس ليعيشوا حياة طيبة خيرة، وإذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة، مثال أن الدين شرّع الرخص عند المشقة مثل الفطر للمريض والمسافر… والتحسينيات هي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة إنما يخرجون عن الحياة الكريمة، مثل أن الدين شرّع ستر العورة وشرّع الطهارة…
الإشكال الحاصل هنا حول هذا التقسيم الثلاثي،
- هل هو هرمي ثابت حاد أم أن الضروريات والحاجيات والتحسينيات متشابكة متداخلة فيما بينها؟
- اعتبار مكملات المقاصد الشرعية الضرورية ثانوية أو أنها ليست من أصول المقاصد الشرعية… ومع الزمن تهاون الناس فيها وأهملوها وهنا حدث الخلل.
- ثم هناك قضية التحسينيات التي حُددت بأنها لا تنخرم بها حياة الناس ولا يختل توازنها، وأنها مسألة تزينية تتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات كما نقرأ في أغلب كتب الفقه وأصوله.
وبالمناسبة هنالك محاولات غربية كثيرة لتحديد هذه الضرورات الإنسانية، مثل سلم ماسلو وهو عالم النفس اليهودي الروسي المهاجر إلى أمريكا (ت 1970) المشهور الذي ذكر فيه احتياجات الإنسان السوي، والذي يعتمد عليه أغلب علماء النفس والاجتماع ويدرسونه. برأيي أن المقاصد الضرورية وما يحوم حولها من المكملات من القيم هي السلم الذي يجب أن نتبعه في مناهجنا وفي علومنا وفي سلوكنا. (انظر الرسم)

نعود إلى موضوعنا
إن منظومة القيم الإسلامية تمتاز بالجمع بين الثوابت والمتغيرات، فالقيم الثابتة ترتبط بالمقاصد الشرعية الخمسة، كما أن كل قيمة فرعية أتت في القرآن أو السنة لا بد وأن تصب في مقصد كلي وتؤسس في مجموعها نظاماً اجتماعياً قائماً على قيم توجه السلوك إلى ما هو خير للفرد والأمة، في جلب مصالح ودفع مفاسد. وعليه فإنه من الصعب قراءة المقاصد قراءة هرمية تراتبية، بل إن علاقاتها تمتاز بالتشابك فيما بينها.
فالقيم المصنفة ضرورية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال تتشارك وتتداخل معها قيم الحاجيات وقيم التحسينيات، ونذكر على ذلك مثالاً أورده د. طه عبد الرحمن فـ”تحريم الزنا الذي يُعد حكماً شرعياً يحقق قيمة ضرورية وتحريم النظر إلى عورة المرأة الذي يعد حكماً يحقق قيمة حاجية وتحريم تبرج المرأة الذي يعد حكماً يحقق قيمة تحسينية، تشترك كلها في حفظ النسل”.
والذي أضيفه هنا أن تحريم الزنا يدخل في مقصدي حفظ الدين والنسل معاً، وهو ما يدخلنا في مبحث آخر وهو علاقة العقيدة بالأخلاق.
ابن تيمية له آراء رائدة عن المقاصد وينقد من يختصر مقاصد الشريعة على “حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر” حيث يوسع من الأحكام الشرعية المتضمنة لتحصيل مصالح العباد ودفع مفاسدهم، فيجعل سياسة النفس وتهذيب الأخلاق وما يتضمن من عبادات باطنة وظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله، وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، ودعائه. وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة من مقاصد الشرع الضرورية. (مجموع الفتاوى).
القيم التي يشكل الخروج عليها تهديداً لحياة المسلم وكيان الأمة في عصرنا اليوم ولا يستطيع البقاء أو الحياة بصورة صالحة طيبة دونها، وما لا يُستغنى عنها ولا يقع فيها مسألة الاختيار أو التفضيل، لا بد وأن تُعد ضمن مرتبة الضروريات. بمعنى هل أنت مخيّر أن تكون صادقاً؟ وهل أنتِ تفضلين التبرج أم لا، هل هنا القيم نسبية تعود حسب اختيار وتفضيل الفرد؟
كذلك الإمام الجويني وهو يحدد ما هو الضروري للناس لدفع الضرر عنهم وحفظ مصالحهم يتجاوز تحديد علماء الأصول الفقهية له، ويقول إنه لو انتظر الناس إلى أن يصلوا إلى حالة الضرورات حتى يبادروا بإنقاذ الدين والنفس وغيرها لضاعت المصالح وفسدت المعايش وهلك الناس أجمعين فـ”الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة” (الغياثي). وهذا بالضبط ما حدث معنا قبل الثورة القيمية في العالم العربي.
في الواقع ما كان من المقاصد التحسينية من مكارم الأخلاق ومحاسنها نشاهد اليوم أنه من الضروريات أو من مكملات الضروريات لبقاء الأمة وحفظ كيانها وعودة سيادة دينها وقيمه.
المقاصد والقيم بين التنظير والتطبيق
إن الخلل الذي أصاب فهم الشريعة نفسها والالتزام بالأوامر الشرعية واجتناب النواهي دون معرفة مقاصدها ستجعل السلوك والأفعال مجرد طقوس وشكليات قد تشكل عبأً على الفرد وستكون خالية من مضمونها العميق في تحقيق رسالة الإسلام وبعيدة عن مقاربتها وتماهيها مع الواقع المعاش، جعل الدين مجرد طقوس تمارس في البيت أو المسجد.
كما أن غياب التمكين القيمي للأمة يعني غياب قدرتها على حفظ الضروريات من مقاصد الشريعة، وإلى أن يحصل التمكين لابد من العمل على حفظ الكليات وذلك عبر إقامة دين الله على الأرض وإعمارها كون المسلم مستخلف ومكلف. قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}. والتمكين القيمي لن يتحقق طالما أننا نستقي قيمنا من الغرب.
يقول علال الفاسي (ت: 1394ه) في هذا الخصوص: “إن غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان كخليفة في المجتمع الذي هو منه؛ وكمسؤول أمام الله الذي استخلفه؛ على إقامة العدل والإنصاف؛ وضمان السعادة الفكرية والاجتماعية؛ والطمأنينة النفسية لكل أفراد الأمة”. (ك. مقاصد الشريعة ومكارمها).
عدم فهم أبعاد ومعاني المقاصد الشرعية يُفقد واقعيتها ومبرر وجودها، بل ويُفقد وظيفتها في ربط القرآن الكريم وأحكامه والسنة النبوية بواقع المسلمين وقضاياهم المعيشية المتجددة. وهو ما افتقدناه زمن سيطرة الدولة الحديثة على المسلمين وشؤونهم.
وأضرب مثالاً صارخاً في جزء من مجال المسلمين العام ألا وهو المجال الإعلامي، الذي يفصح عن وجود خلل كبير في منظومة القيم المستند إليها والسبب يعود إلى تغييب المقاصد الشرعية عنه؛ أي مقصد حفظ الدين ومقصد حفظ العقل تحديداً.
المجال الإعلامي اليوم هو:
- المسؤول عن خلق الإطار الفكري والعقلي وتكوين القناعات وزرع عقائد مخالفة لقيم الإسلام، بل والمخلة والمهددة لوجودها.
- ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي يُستخدم اليوم أسوأ استخداماته لنشر الرذائل والفساد الأخلاقي والانحلال الديني، وضخ تفسيرات مخالفة للدين، وبث مناهج فكرية ممنهجة قائمة على الترويض على الانصياع الأعمى وتقديس السلطة والحاكم وتبني لأفكار لا تخلو من أجندات موجهة للأحداث الجارية دون الوقوف عليها أو إعمال العقل فيها.
- ولا يغيب على عاقل تفشي التحوير والتدليس والكذب والسَّفَه في الخطابين السياسي والإعلامي، ما يعيدنا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “إنها ستأتي على الناس سنونٌ خداعة يُصَدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق ويُؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين وينطق فيها الرُّويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة” (أخرجه أحمد في مسنده).
أمة الإسلام اليوم تعاني من ضعف في الحس النقدي للأخبار والإعلام الموجه، بل مات الحس القيمي عند المتلقي، والله تعالى أمرنا بتحري الخبر الصادق والدقة والأمانة في النقل، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
والخبر أياً كان يخضع إلى تشويه وتطويع وتلفيق وتدليس، لأسباب حللها ابن خلدون بدقة: “ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب. فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التمحيص والنظر، حتى يتبين صدقه من كذبه. وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يُوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فيقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح…” (ك. المقدمة).
خلاصة وتوصية
ما ينقص الدراسات والأبحاث الإسلامية المعاصرة وما يهمله المشرعون والقائمون على شؤون الأمة خصوصاً بعد جملة التغييرات الفكرية والاجتماعية والقيمية الكبرى التي شهدتها المجتمعات العربية مؤخراً منذ 2010 هو ضرورة التركيز على:
إحلال المقاصد الشرعية وتفعيلها بوجهها الأخلاقي القيمي في المجالات التعليمية والتربوية والفكرية والمنهجية والسياسية محل علم الأخلاق الفلسفي أو الاجتماعي والفلسفة السياسية والمنهجية الغربية الآتية من فلسفات استندت إلى منظومة قيم مجتمعية خاصة بها، مع اعترافنا بوجود قيم أو غايات مثلى تشترك فيها جميع الأمم، إلا أن ما يميزها عن مقاصد شرعنا هو مدى ارتباط مقاصد الأمم الأخرى بالأخلاق وبالقيم المطلقة وبالابتعاد عن الأهواء والنسبية، هذا هو المعيار.
المقاصد الشرعية هي المنهجية العملية الكلية الضابطة لنظام حياة المسلمين المادية وقيمهم الأخلاقية كافة.
عندما تريد تحقيق وبلوغ شيء ما في مجال معرفي أو علمي أو مهني، فليكن بعيداً عن مقصد وغايات الغرب، العلو في الأرض والإفساد فيها والسيطرة على الآخر، ولتكن مقاصد الشرع ومكملاتها من القيم في ميزانك الأخلاقي، وأنت تدرس وتقرأ وأنت تحلل وأنتِ تنقدين وتنقلين… لا بد أن يكون بالرجوع إلى القرآن والسنة، وأي شيء آخر أخضعه للشك والنقد العلمي ولا تسلم به تسليماً مطلقاً. وخذ من الغرب علومهم المختصة بالتقنيات والماديات والطبيعيات والكونيات وأخضعها لسلم القيم الإسلامي. أما العلوم الإنسانية والسياسية والاجتماعية والفلسفية والنفسية ومناهج وطرائق تلك العلوم ومناهج التفكير والتعليم والتعلم، فيجب الحذر مما نأخذه ذلك أن هذه العلوم غير مستقلة عن البعد الإنساني الخاضع للرغبات والأهواء والتابع لعقول مختلفة متنوعة.
وعلى الله قصد السبيل
بحث قُدم للتخرج من دبلوم الدراسات الإسلامية، جامعة طرابلس اللبنانية
1438- 1439هـ/ 2017 – 2018م