{أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}
أن نقرأ القرآن وكأنه يتنزل علينا ونعيش الآيات، ذلك لعمر الله من مقاصد قراءة القرآن وتدبره.
قال جمهور المفسرين إن الآية تصف بدقة متناهية حال الإناث وطبيعتهن الوجدانية والجسدية المختلفة عن الذكور. وكيف أن بسبب تنشئتهن في الحليّة التي تشي بديمومة الحال والمقام، فإن الأنثى تظل ضعيفة عن الاقتحام في الكلام وبيان الحجة أو محاولة إثباتها عندما تكون في موقف الخصومة أو الجدال مع الذكور.
وهذه آية عظيمة اختصرت شكل تاريخ تعاملاتي الموقفية؛ مقام الخصومة مع الذكور على طول الزمن. ولأعترف أنني في كل موقف منها كنتُ كلؤلؤة قارّة في أعماق زرقة المحيط الهادئ انتُزعت من صدفتها لتُرمى في صخب التراب الخشن وقسوته.
أنثى نشأتُ على كل ما تتضمنه الحلية من معانٍ وسلوك؛ الزينة والتجمل والرقة والرفق والنعومة والحياء والدلال والعناية بأدق المشاعر وما زلتُ أحيا هذه النشأة مهما بلغتُ من العمر عتياً، سواء بفطرة الله أو بسعي ذاتي لتعزيز هذه النشأة.
واليوم أدركت معنى هذه الآيه بعمق، ذلك أن هذه النشأة منعتني من مقارعة الحجة بالحجة مع كثير من ذكور هذا الزمان في مواقف كنا نختلف فيها كثيراً في الآراء والمنطلقات الفكرية وزوايا النظر والتي احتاجت مني إلى وقفة عمرية لأقوم بتفصيل البيان متخذة سبيل الحوار الهادئ الطويل وعميق الغور.
فكيف بي مزاولة الهدوء والمنطقية وأنا على هذه الحال من الحياء والضعف في ولوج المحادثة بشكل يجاري أسلوب الذكور -مع وجود استثناءات لا تجرح في السائد الطاغي- في الحوار والكلام واستخدام الألفاظ العنيفة والتعبيرات المستبطنة للاستعلاء على الآخر (من غير نوعه -أنثى) وفي نمطية سائدة بين الذكور لا تقيم احتراماً لاختلاف النوع الأنثوي وفطرته في الحوار والجدال.
ثم كيف بي في لحظة استفزاز من حوار لا منطقي وغير متسق البرهان أن أبين لذكر مخدوع بعقله عوار جدله ونقص حجته وبعده عن دقيق المعاني، والخوف من تصعيد لا منطقيته يتملكني، فيجرح كبرياء حجتي.
كيف لفرط رقة ذوقي مجابهة ظلم -موقف وكلمة- مغلف بجهلٍ مستتر يتطلب خلع الكثير من الذوق المزين لرداء تعبيراتي؟
أعترف أني عاجزة عن رد أغلب ذلك -رغم محاولاتي الناجحة القليلة،
وأُشهد الله سبحانه وتعالى أني ما خنت أنوثتي التي فطرني عليها، وأن نشأتي في الزينة لا تُنقص من رجاحة عقلي وقوة حجتي وفهمي لدقائق الأمور في مواقف السلم والسكينة والأمن، بل تميزني عن الذكور في مواقف الخصومة والنزاع وتضبط انفعالات النفس الغضبية وتقرب الروح من حكمة قرآنية خالدة {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
فخصام غير مبين لا نقص ولا عيب فيه، وخصام مبين لا كمال فيه.
