-عندي سؤال يا شيرين:

كيف يستعيد الإنسان فاعليته بعد أن نضبت موارد الفاعلية والحياة في الخارج؟ ما واجب القلب الذي حقق يقظة عالية وحضورا وجدانيا شديدا، مع انفكاك يتنامى عن الخارجوالبراني، مما يفضي إلى نوع من التعطّل رغم تلك اليقضة وذلك الحضور..

-كأني بكِ أشم رائحة العزلة والزهد من الوجود كله.. وهذا والله سيؤدي بكِ إلى طريقين لا محالة: 

إما تعوّد الانكفاء على الذات والتسلي بالقلب وموارده الخاصة والاكتفاء بحالة وجدانية “يقظة” -خادعة في أغلب الأوقات- سرعان ما يفقد معها القلب سرّ تماهيه مع الوجود وعلّة يقظته.   

أو إنها محطة لاستجماع شتات النفس وتزكيتها ما دام الكون متحرك متغير متقلب، وما دامت نفوس الأشخاص الطيبة منها والخبيثة متعاقبة الأثر على قلبك.

 لا ضير في انعزالٍ مؤقت للمساءلة والتجلية بغرض التخلية والتحلية والتفاعل مع الوجود والموجود، ذلك أنّ ران التعود بكلا الحالتين يُفسد التمتع الحلال بالتقلب مع العاديات أو الاستئناس إلى ركن لطيف.

رأيي -والله أعلم- مساءلة النفس عن السبب العميق وراء هذا العزوف، قد تكون فضاءات الحياة نفسها، بأنها ليست مع ما يرضاه القلب من تصرف وتفاعل فيتأثر ويؤثر، فهنا يتحتم تغيير الفضاء والمحيط أو البيئة والناس، وهذا -لعمر الله- ذو كلفة عالية. أو يكون الأمر مرتبط بعلائق القلب نفسه، فاسألي قلبكِ أولاً مواطن نبضه فيمَ يرتحل، ولمن يمضي ويتماهى ويفنى. واستحضري جعْل رب العباد قلباً واحداً في جوف العبد، والقلب الواحد يجتمع به واردات الخارج والداخل ليبث الحق الواحد والحضور الواحد المتناغم مع سرّ وحقيقة الكون.      

وكل حضور لقلب داخل وجدان النفس وحدها لا يعوّل عليه، فالأمر الإلهي واضح بأن الحضور متعدي تعدياً مزدوجاً؛ حضور إلى داخل وجدان النفوس المشاكلة والمخالفة معاً، وحضور منثور مع أنفاس الكون وموجودات الخالق، إلى أن يرث الله الأنفاس والأنفس. 

باختصار انقلي الجسد والنفس إلى مواطن أُخُر… وتقلبي مع أنفاس الله ورحمته.  

والله أعلم

-لقد نطقتِ تفصيلاً بما أدركته إجمالاً يا شيرين.. وأنا الآن في غمار المساءلة تلك، وتوصلت إلى ضرورة الانتقال الذي نسبتِ إليه الكلفة العالية والمشقة البالغة، وليس المراد انتقالاً صورياً بل لم يعد للصور المفرغة قيمة أو معنى.. 

كنت أتصور أن الجسد لا يلزمه الانتقال.. حتى الفترة الأخيرة.. وجدتُ أن كل المكونات تفتقر للانتقال.. والله المدبّر وبيده مقاليد الأمور والأقدار.. نسأله أن يلهمنا صدق السعي وصلاح العمل وحياة الفكروالوجدان والجوارح.

الله يدبر لك كل ما فيه خير لدينك ودنياك. 

25 مارس 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *