تضع المذاهب الأخلاقية الفلسفية في حسبانها، بقدر أكبر مما تفعل المذاهب الأخلاقية المبنية على أساس ديني خالص، أن الكذب يُعبر عنه بالكلمات، لكل كلام مخاطب يُقصد به. ليس هناك إذن إلزام أخلاقي بقول الحقيقة لجميع الناس، وليس لجميع الناس الحق في أن يطالبونا بأن نقول لهم الحقيقة. 

الكذب سلاح، كما يقول كويري المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع، إنه السلاح المفضل لدى الضعيف الذي يقوم وهو يخدع عدوه بإثبات ذاته والانتقام منه. ومع ذلك فإن الكذب السياسي في عصرنا الراهن بلغ أوجه، فلم يسبق أن كذب الناس بوقاحة وبنظام ثابت مثلما يفعلون اليوم. لقد سُخر لخدمة الكذب الكلام والكتاب والجريدة والمذياع والتلفاز… سُخر له التقدم التكنولوجي برمته. وصار الإنسان في العصر الحديث يسبح في بحر من الكذب، ويتنفس الكذب، ويخضع له في كل لحظات حياته.

تتبنى جلّ المذاهب الأخلاقية الفلسفية المثل القائل: “ليست كل حقيقة صالحة لأن تقال”، على الأقل ليس دائماً وليس لجميع الناس. لكن ماذا لو تحولت الحرب من الحالة الاستثنائية والعرضية والمؤقتة إلى الحالة الدائمة والعادية؟ من الواضح أن الكذب سيتحول هو أيضاً من حالة الاستثناء إلى الحالة العادية والطبيعية.

إن الحكومات الشمولية ليست سوى مجتمعات سرية محاطة بأعداء مهددين وأقوياء؛ وهي ملزمة بسبب ذلك بأن تلتمس حماية الكذب، وأن تختفي وتستتر. صحيح أن هتلر (وكذلك رؤساء بلدان أخرى) أعلن أمام العموم عن برنامج عمله كاملاً، ولكنه فعل ذلك لأنه كان يعلم أن الـ”الآخرين” لن يصدقوه، وأن تصريحاته لن تُحمل على محمل الجد من قبل من لم يجتازوا طقوس الدخول في حزبه؛ فقد كان، وهو يقول الحقيقة للآخرين على وجه التحديد، متأكداً من أنه يخدعهم، وينوّم أعداءه وخصومه. وهذه إحدى التقنيات الميكافيلية القديمة للكذب من الدرجة الثانية، وهي أكثر تقنيات الكذب انحرافاً وفساداً، تصبح فيها الحقيقة هي نفسها مجرد آلة خالصة للخداع.

ليست الأنظمة الشمولية شيئاً آخر غير المؤامرات المتولدة من الكراهية والخوف والحسد، وهي مؤامرات تذكيها الرغبة في الانتقام والسيطرة والنهب أو الاغتصاب، إنها تلك المؤامرات التي نجحت نجاحاً كلياً، أو جزئياً، نجحت في فرض نفسها داخل بلدانها، والاستيلاء على السلطة، والاستحواذ على الدولة. بيد أنها لم تنجح –أو لم تنجح بعد-في تحقيق الأهداف التي حددتها لنفسها، وتستمر لهذا السبب نفسه في التآمر.

والكذب حقيقةً، يتجلى في أعلى صوره في المجال السياسي، “فالموجودات والحقائق ليست إلا تأويلات تخدم استراتيجيات معدة سلفاً”. لم يكذب الإنسان في تاريخه البشري كما يكذب اليوم، كما لم يكذب بهذا النحو السفيه والنسقي والراسخ كما يكذب اليوم، أن الكذب تطور كماً وكيفاً، إلى أن أصبح شمولياً عولمياً بفضل تقنيات الصورة والتواصل والإشهار والدعاية المعاصرة.                    

وهنا نطرح التساؤل التالي، هل الرهانات السياسية الكبرى التي تشرط الفعل السياسي المعقد تسمح لنا أن نتكلم عن “الحق في الكذب” من أجل مصلحة الدولة والشعب، فنعتبر الكذب في مجال السياسة فضيلة عليا مؤسسين بذلك لما يمكن أن يسمى “بأخلاقيات الكذب السياسي”، أم أن علينا أن لا نعطي للسياسي أي مبرر وأي غطاء أخلاقي، أو أي استثناء يستعمله لإفساد وتشويه الحقائق والوقائع، والتغرير بالجمهور والرأي العام والزج به في معارك لا قِبَل له بها، وتخريب أسس الحياة المجتمعية المشتركة؟ 
إن العلاقة بين الكذب والحقيقة علاقة فاسدة، لأن الكذب هو الذي ينفي الحقيقة، أي يحولها إلى كذب (لا أن الحقيقة نفسها هي التي تتحول إلى كذب، وإنما موضوعها هو الذي يتحول)، في حين لا يمكن أن يتحول الكذب إلى حقيقة.

ولمّا كان الكذب هو إخفاء شيء بشيء آخر، أو إظهار شيء غير موجود أصلاً، أو إنكار شيء موجود، كما عرض وزير خارجية أكبر دولة عظمى صوراً “للقمر الصناعي” للبرهنة “القاطعة” على وجود أسلحة دمار شامل في العراق، بذلك يكون قد استعمل الصنف الثاني من الكذب، وهو “إثبات” وجود شيء لا وجود له أصلاً. وهكذا يبدو الكذب وسيلة لتبرير فعل أو لتلميع صورة أو لإخفاء فضيحة.
الفعل السياسي لم يعد اليوم مرتبطاً أساساً بالعقل، وبالتالي بالحقيقة، وإنما بالرأي الذي يقوم على الخيال، لثبت لدينا أن السياسة هي أكثر شيء كذباً، خصوصاً إذا كانت هذه الأخيرة مرتبطة بالأحداث والوقائع التي حدثت في الماضي، مما يجعله معرَّضاً للكذب باستمرار.  

صاحب السياسة سيكون مضطراً هو الآخر إلى ممارسة ضروب من المناورة والمخادعة والافتراء والتعمية والتمويه وإخفاء الأسرار، أي ممارسة الكذب لتحقيق النصر والاحتفاظ به. فالسياسي كما قال ميكافيللي لا ينتصر فقط بالقوة ولكن أيضاً بالحيلة والخدعة. بل حتى الديمقراطيات الكبرى تشترك، بجهة ما، مع الأنظمة الشمولية في الاستخفاف بالحقيقة؛ فقد لاحظ كويري باكراً أنه بالرغم من أن نظام الولايات المتحدة ليس نظاماً شمولياً، فقد برهن على أنه يقوم على “إعطاء الأولوية للكذب”. 

حقاً، لا يمكن للمرء أن ينكر أن كل حكومات العالم تكذب، وكل الساسة والسياسيين يكذبون بهذا القدر أو ذاك، لكن شمولية الكذب هذه لا تشفع له أن يصبح فضيلة حميدة، يبقى الكذب في حد ذاته أداة من أدوات العنف السياسي، الذي يحْرِم الآخر من حقه في معرفة الحقيقة ويعمل على إبقائه في منطقة الجهل في نفس الوقت الذي يحشو دماغه بمختلف ضروب الترهات والأراجيف والأساطير المؤججة لغرائزه وانفعالاته، مما يشكل استهتارا بكرامة الجمهور واستهانة بالرأي العام، من هنا كانت مقاومته واجباً سياسياً.
إن أصل (ونشأة وقوة) الأنظمة الشمولية، الديكتاتورية والاستبدادية والديمقراطية ليس إلا انتصار السياسة على الحقيقة. إلا أن السياسة لا ينبغي أن تصبح مرادفة للكذب في أي حال من الأحوال، أو أن يُمسي الكذب فنّاً محترماً، وعلامة على الانتماء إلى عالم ما بعد الحداثة الهجين. فاستعمال الكذب بشكل منهجي بالنسبة لشعب معين يؤدي لا محالة إلى إنهاكه، وإرهاق قدرته على الصبر، وفقدان مناعته إزاء الحقيقة والصدق، مما يغرقه في جو من اليأس، هذا الجو الذي هو البيئة المباشرة لاستنبات العدمية والإرهاب. أليس الإرهاب تجسيداً حياً لسيادة الكذب السياسي في أعلى صوره؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *