Screenshot

بسم الله الرحمن الرحيم

من نِعَم الله على الأمة الإسلامية شهودها بعد ثورات الشعوب العربية والإسلامية انتصار الثورة السورية المباركة، (٢٠١١-٢٠٢٤) هذا الانتصار جاء بعد تضحيات جسّام قدمها السوريون بصور مختلفة، من اعتقال وتعذيب وموت في السجون، إلى تهجير وتدمير البيوت على ساكنيها، والهجرة خوفاً على النفس والعرض والدين إلى بقاع الأرض كافة ومواجهة تحديات اجتماعية ونفسية واقتصادية في تلك البقاع أو في بقاع أخرى البقاع لم تتسع لهم فسكنوا الخيام في أطراف البقاع. 

على أن استرداد المسلمين لبلادهم (دمشق الشام والعقبى لقدس الشام) بعد تغريبٍ قيمي وقهرٍ نفسي-اجتماعي وقمعٍ للحريات وأدلجة الوعي وتنميطه، وفرضٍ -بالحديد والدم- لسردية معرفية واحدة ونماذج إدراكية رغائبية مختزلة منحرفة متمثلة في شعارات الحزب الباطني الحاكم الأوحد طيلة عقود، جعلنا أمام أسئلة وجودية وتحديات تربوية وقيمية واجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية جمّة، تدفعنا جميعاً للانتباه -نحن أبناء هذه البلاد المباركة والأمة المسلمة- إلى الوعي بنقطة جوهرية في سبيل إعادة بناء الإنسان وترميم مكوناته الثلاثة؛ التصوري والنفسي والسلوكي، ألا وهي تجاوز إنسان الكمون إلى إنسان النهوض.  

فما أن انتصرت الثورة السورية حتى انهالت على هذه البقعة الجغرافية المباركة ومن كل أصقاع الأمة الإسلامية الكثير من المشاريع الفكرية النهضوية والبنائية المنهجية والاستراتيجية الفكرية التي تتغيا إعادة بناء الإنسان وتمتين عقيدته وقيمه وضبط بوصلته الاستراتيجية ووضعه على مدارج الاستئناف الحضاري.. كل ذلك هي جهود طيبة نحتاجها حاجتنا للضرورات المقاصدية المندرجة تحت مقصد حفظ العقل حفظاً إيجابياً، العقل الذي خصه الله البشر وائتمنهم عليه للقيام بالدور الاستخلافي لإقامة الدين وإعمار الكون وفق سنن الله سبحانه وتعالى وأوامره، وذلك عبر التعلم وإيقاظ قدرات العقل النائمة من نقد بناء وتفكيك وتركيب واستنباط وتأمل وتدبر واجتهاد .. حتى قيل إن الإنسان الحقّ يكاد لا يكون إلا أحد اثنين: متعلم أو معلِّم. 

مع وجوب التأكيد على أن هذه المشاريع والبرامج الفكرية والتدريبية ذات التوجه الإسلامي الصافي والأهداف القيمية الخادمة لقيم المجتمعات الإسلامية وثقافتها، لا بد أن تمدَّ جسور التعاون والتكامل المعرفي والقيمي والاستراتيجي والتخطيط المنظم لفاعلية واقعية أكبر، لا أن تصبح مشاريع متناحرة تحارب بعضها بعضاً، وبينما ترفع من رؤيتها وأهدافها وتتفاخر بمنتجاتها وثمارها تبخس حق المشاريع والبرامج الأُخرى وتضعها في خانة اللاضروري واللامجدي وتعترض على افتقارها إلى الرؤى الكلية الدقيقة أو العمق الفكري.. وغيره من الانتقادات المتسرعة والسطحية وغير المنصفة. 

فالخير الخير في تدافع بعضها بعضاً، ويبقى الصالح الطيب الذي يتغيا مصلحة الأمة وغيره يذهب بعد أن تُعجن خميرته المعرفية ليتشاكل مع المتشابه منه. 

إلا أنّ ما أراه خطيراً مهدداً لاقتناص اللحظة التاريخية الفارقة في إعداد إنسان الاستئناف الحضاري يتلخص في أن كل تلك المشاريع المبثوثة عبر الأثير، أو العاملة على الأرض -على استحياء بتقديم خطوة ورجوع خطوات- تتشارك جميعها في كونها تخرّج إنساناً كامناً لا إنساناً ناهضاً. وجدير بالتذكير هنا أن مشروعيتها جميعها مستمدة من عجز المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية العاملة تحت ظل الدولة القومية الحديثة المتوحشة في بلاد المسلمين عن القيام بواجباتها وأدوارها الحقة، وتراجع تأثير المجتمعات الأهلية والأفراد الرساليين الذين تحملوا قديماً المسؤولية عن تخريج العلماء والمفكرين الربانيين المقتدرين عابري التاريخ والجغرافيا.  

ذلك أن الإنسان الكامن في سياق الكلام أعلاه هو الإنسان الذي ينتسب إلى الكثير من البرامج الثقافية والمشاريع الفكرية والعلمية، في جو من الانفتاح الفكري وفخ حرية التنقل عبر البرامج، حتى يكاد لا يجد وقتاً للوقوف وتأمل ما استفاده منها، وما يمكن أن يُهمل منها، ومن ثَمَّ سؤال الكيفيات التي تجعل من هذه الفوائد حيّة تمشي على الأرض تتفاعل معها نفس متلقي تلك المشاريع مع نفوس مواطنيه والأمم الأخرى والكون. 

فتظل المعلومات والأفكار والقيم كلها في حيز الكمون في وجدان المتلقي وعقله لا تعرف إلى وجدان وعقول الآخرين سبيلاً، بل سرعان ما ينطفئ توهجها وتضيع الأفكار وتموت الحماسة في نفس المتلقي نفسه. 

لا خير في علمٍ يبقى في الصدور، ولا فائدة تُرجى في التنقل السائل  بين المشاريع والعلوم خوف عدم جاهزيتنا وقدرتنا على امتلاك مهارات التأثير الفاعل. 

اللحظة اليوم وواجب وقتها يحتاج منا الشجاعة على الانتقال إلى إنسان النهوض وتمكينه، الذي ما إن نهض بنفسه وعقله وفاعليته حتى نزل إلى الأرض وشمّر عن ساعديه وبذل الوقت والجهد والمهجة في سبيل إحياء الأمة وإيصال ما تعمله واكتسبه (بالتساوق مع العمل على التثقيف ذاتياً بشكل ديمومي)، إلى أغياره من المأتلفين والمتناكرين، والجاهزية الآنية والمناسبة لكل وقت ومكان، وامتلاك التأثير الفاعل يُكتسب من اختبار الأفكار والمعلومات والمنهجيات على الأرض وفي تداولها وتدافعها بعضها بعضاً. 

كل مشروع فكري (أو برنامج ثقافي أو ورشة تدريبية ..) يبقى حبيس المكاتب والصفوف والقاعات لا يعوّل عليه في ميزان صنع الإنسان النهضوي وإعادة إحياء الأدوار الاستخلافية وإعمار الأرض.

والله المستعان    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *