في سياق جدلية الدين والسياسة والأخلاق، يجادل ثلة من المفكرين مشروعاً بديلاً للنظام العالمي الرأسمالي الدموي القائم اليوم، المشروع البديل الذي أصبح مرتبط باسم المنظّر الروسي Aleksandr Dugin وجماعته، دوغين الذي أُعيدت مشاركة تغريداته في رأيه بالحرب الدائرة بين إيران و الكيان المحتل وأمريكا من جهة.
واستجابة لجزئية تتعلق بكيفية بناء منهجيات الربط لتحويل المفاهيم الأساسية لرؤية “الانبعاث الحضاري” (أي النموذج والوضعية الحضارية والنماذج الأساسية: نماذج البناء والتدافع والأمة..) إلى أدوات وصفية تحليلية تُمكّن من قراءة الظواهر قراءة دقيقة، نقترح هذه القراءة:
أصحاب النظرية الإيديولوجية الرابعة يدّعون أن مشروعية هذه النظرية تأتي من توحش العقيدة النيوليبرالية ونقض عراها لما أدخلت العالم إلى الفوضى والعبث (سياسات قائمة على الحروب والصراعات ومصالح ميكافلية، وسياسات استهلاكية خالية من القيم، فساد سياسي، خنوع لرغبات الشركات العالمية الكبرى..).
تقترح هذه النظرية الرابعة وتقدم نفسها بوصفها بناءً فلسفياً يُنكر التقدم الخطي للتاريخ ويرغب في الحفاظ على التقاليد العضوية للقومية والعرقية والدينية وتنميتها تحت شعار “نحو مجتمع عادل”.
وما يهمني هنا هو أن تيارات إسلامية ومفكرين إسلاميين تحت مختلف المسميات: باحث تاريخي، منظر استراتيجي، مفكر نهضوي، أممي.. تدّعي أن الخروج من مأزق تخلف الأمة ونفض عنها سباتها الشتوي الطويل يكمن في تبني النسخة الإسلامية من المشروع الأوراسي[1] EURASIA.
وقبل أن نسأل عن الإشكالات والمعوقات التي ستواجه أو تُعيق “الانبعاث الحضاري للأمة” إذا ما تداخلنا مع هذا المشروع، يجب أولاً رصد المصادر الفلسفية لهذا المشروع.
يستند هذا المشروع إلى فلسفة غنوصية ميتافيزيقية، عُرفت بـ “الفلسفة التقليدية التكاملية” أسسها علماء وفلاسفة ومؤرخين وكتّاب وفنانين من مختلف المرجعيات الدينية أبرزهم[2]: الفرنسي رينيه غينو (أسلم واسمه الإسلامي عبد الحق يحيى) ومارسيا إلياد، هنري كوربان (فرنسي تشيع ومُحتفى به في الأوساط الشيعية)، سيد حسن نصر (إيراني شيعي)، عبد الكريم شروس (إيراني شيعي)، وفرنسيون أسلموا على الطريقة الصوفية الأكبرية التي لها أتباع كُثر في الغرب وهذه الطريقة نشطة جداً في الوسط الأكاديمي بشقه التصوف الفلسفي.
ومن يتعمق في هذه الفلسفة “التقليدية التكاملية” لا يخفَ عليه الأثر اليهودي الغنوصي (القبالا) والعقائد الشيعية الإمامية المختلطة مع العقائد البوذية والمسيحية.. هذا المشروع له تأثير واسع على طيف سياسي له وزنه في إيران وتركيا وكازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقرغيزيا … والجزء المعارض لطالبان، ومحور كامل في جنوب لبنان الذي يسعى للتكامل الإقليمي مع أوراسيا (منظمة معاهدة الأمن الجماعي، الاتحاد الأورو-آسيوي). الإمبراطورية الأوراسية هذه تشمل الحضارات الأربع: روسيا[3] والأقاليم الناطقة بالسلافية والديانة الأرثوذكسية وجنوب الاتحاد السوفيتي وحتى تركيا والحضارة الهندية والصينية وكل مساحات آسيا الوسطى والغربية، والحضارة الفارسية ومجالها المناطق الإسلامية والشرق الأوسط!
و نسأل هل فعلاً هذا النظام المتخيل مفارق كلياً مع الأنظمة السائدة؟ في مقابلة له يقول دوغين: إنه يحن إلى أيام مجد الاتحاد السوفيتي السابق!
ومؤخراً خرج علينا -منظّراً- بأن السلفية هي أداة إمبريالية لإسرائيل ووكالة الاستخبارات الأمريكية… ويدعو إلى ثورة سنية ضد الحالية التي تحشد الملايين من المسلمين ضد الشيعة والصوفية والمسيحية….

من خلال ملاحظاتي السريعة، أجد أن فكرة هذا المشروع من إفرازات النظام العالمي بوجهين:
– ادعاء بامتلاكها كاتلوج الخلاص والوحدة والسلام واللامركزية.
– وادعاء بإضفاء الأخلاق على النظام العالمي ظاهراً، أما باطناً فإن هذه الأخلاق تتبنى عقيدة الأخلاق المنفتحة = التصوف الغنوصي (برغسون) ونزعة إمبريالية كولونيالية روسية واضحة.
أما فيما يتعلق بإيران الفارسية فهناك رأي يقول إنها تبنت المذهب الشيعي لأنها لا تريد أن تكون ملحقة بالحضارة العربية السنية ومن مستوى المكون الأممي التحليلي في تركيزنا على: الرابطة الإيمانية وما يترتب عليها من التزامات مشتركة بإقامة الدين وإعمار الأرض والشهود على الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإفساد في الأرض والدعوة إلى خيرية الوجود وجماله.. فإنني أكتفي بعبارة د. بشير نافع من أن “الشيعة خرجت من الأمة وجسدها”. وأنا أقول إن الصوفية المتشيعة (المنتشرة والمتغلغلة في الأوساط الفكرية ومراكز القرار الاستراتيجي والمؤسسات العلمائية والأكاديمية) فيها تهديد لاتجاهنا نحو بناء نواة أممية ذات عناصر قوة مفارقة للتي يتبناها النموذج الآخر. وهذا لا يخفى على قارئ للتاريخ ثاقب النظر وحرّ الوجدان.
فلننظر بعمق وجدية ونحن نبحث عن ظهير وفيّ قويّ أمين لأمة الإسلام وتتقاطع مصالحه مع الانبعاث الحضاري للأمة.
[1] The first congress of Russia’s Political Party “Eurasia” (reorganization of All-Russian Social Political Movement “Eurasia” into Political Party “Eurasia”) 30th of May, 2002.
[2] من المفيد الاطلاع على سير حياة هؤلاء ومعرفة الشبكات الأكاديمية والتحالفات فيما بينهم واستفادتهم من الإرث الفكري لبعضهم بعضاً ففيها نفع كبير يدلنا على كيفية نضوج مثل هذه الأفكار وكيف تبدأ وتتطور ويراكم يعضها بعضاً.
[3] راجع في هذا الصدد آراء بعض المفكرين والسياسيين الإسلاميين الذين يؤمنون بأن السياسة هي انتهاز للفرص وأن على المقاومة الفلسطينية مدّ جسور التحالف مع روسيا لوجود هذا العداء مع النظام الرأسمالي الكولونيالي وابنته إسرائيل.
